مع استمرار المعركة الضارية التي تدور رحاها في فلسطين حاليا، والتي نشاهد مظاهرها يوميا على شاشات التلفزيون، كما يشاهدها العالم كله، يطرح على العقل المتابع لهذه الاحداث سؤال مهم مفاده: هل تكسب اسرائيل إعلاميا من هذه الأحداث على المستوى العالمي أم تخسر؟ وهل سيتجه تعاطف المجتمع الدولي صوب اسرائيل أم سينحاز الى جانب الفلسطينيين؟ هذا السؤال الكبير يشغل الرأي العام العربي، فالجميع يبحثون منذ زمن عن الوسائل الاعلامية التي يكون في مقدورها ان تقنع الاطراف المحايدة، او تلك غير المهتمة بوجهة النظر العربية وتستميلها الى جانبها. لقد كان الاعلام العربي يوصف دائما ـ او غالبا ـ بأنه ضعيف التأثير في الآخرين، وانه لا يرقى الى درجة القدرة على تغيير حركة الرأي العام غير العربي باتجاه مساندة المواقف العربية ودعم مطالب الفلسطينيين. فالاعلام في كل الاحوال يتبع السياسة ولا يقودها، كما ان له ادوات وفنونا يعرفها المختصون ويحذقها العارفون بأسرار هذا المجال، ومن ثم فإننا اذا اردنا ان نحصل على جواب شبه شاف حول تأثير الاعلام، سواء من ناحية الاخبار بالمعلومات او من ناحية الوسائل التي تستخدم في توصيل وجهات نظر محددة الى العالم، فإنه يتعين علينا ان نقرأ ما يكتبه الآخر، حتى نتمكن من معرفة عناصر التأثير فيه، وكيفية اجتذابه للوقوف في خندقنا، بدلا من ان يتبنى وجهة نظر المعسكر الآخر. خسارة اسرائيل ففي مجلة «الجويش كرونكل» الفصلية البريطانية، نشر في عدد الصيف الحالي مقال مطول عن هذا الموضوع، بعنوان «اسرائيل والاعلام»، ملخصة ان اسرائيل تخسر خسارة كبيرة مما يحدث الآن على ارض فلسطين، وهذه الخسارة تتمثل في فقدان بعض من تعاطف المجتمع الغربي الذي جهدت في فترات سابقة لكسبه الى جانبها. وحقيقة الأمر ان اسرائيل تخسر اعلاميا كل يوم، ولم تبدأ هذه الخسارة بقتل محمد الدرة، الطفل ابن الاثني عشر ربيعا، الذي اغتالته رصاصات الجنود الاسرائيليين أمام عدسات التلفزيون، بتلك الصورة البشعة التي نقلتها وسائل الاعلام الى الاركان الاربعة من العالم، ولكن اسرائيل، في نظر كاتب المقال، بدأت تخسر اعلاميا منذ ثلاثة عقود، ومباشرة بعد حرب الأيام الستة، عندما بدأت حكومتا ليفي اشكول وجولدا مائير تضعان ايديهما على الاراضي المحتلة لكل من فلسطين ومصر وسوريا، مع ملاحظة ان ما كسبته اسرائيل اعلاميا في بعض تلك الفترة، كان بسبب اخطاء العرب، الذين اتاحوا لها فرصة او فرص شغل العالم وصرف اهتمامه بعيدا عن اعمالها التوسعية. منذ ذلك الوقت المبكر بعد الاحتلال، كانت ادارات السياسة الخارجية لدول كثيرة، بما فيها الولايات المتحدة (الصديقة لاسرائيل وبريطانيا) تدين انشاء المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة، وتعتبرها عملا «غير قانوني». ولقد حاول العديد من المحامين الذين استعانت بهم اسرائيل تبرير هذه الاعمال، واخذ هؤلاء يشرحون للعالم مزاعمهم متذرعين بحجج كثيرة زائفة تبرر عدم انطباق قواعد معاهدة جنيف الرابعة، (والقائلة بعدم قانونية تغيير الوضع القائم في ارض محتلة) على الوضع في الاراضي العربية، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل، حيث كانت تستند الى الادعاء بأنه لا الضفة الغربية، ولا غزة اراض تنتمي الى بلاد اخرى، بل هي (اراض متنازع عليها)! ولكن هذا الزعم لم يقبل به الا عدد محدود من الدول، فقد سقط بعد احتلال اسرائيل لأراض عربية ادعاء الاسرائيليين السابق: أن هناك شعبا بلا ارض يبني دولة على ارض بلا شعب! قليل من أهل اليمين المتشدد استمروا في الاعتقاد بذلك الرأي، ولكن الرأي العام في عمومه في دول كثيرة، وخاصة غربية، بدأ يميل بعد الاحتلال الى ادانة مثل هذه الاعمال، وعندما بدأت الجرافات الاسرائيلية تهدم منازل الفلسطينيين، وتصادر الارض تمهيدا لبناء مستوطنات جديدة، بدأت صيحات عالمية تدين هذه الاعمال. ليفي اشكول رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي توفى في سنة 1969، لم يكن موافقا على تلك السياسة التوسعة، ولكن جولدا مائير التي خلفته في الحكم، وحليفها موشي دايان وزير الدفاع وقتها، سارا في ذاك الاتجاه، لسببين اساسيين: الأول ارضاء المتشددين في الداخل، والثاني انشغال العرب اعلاميا بقضايا استفادت منها اسرائيل، ولعلنا نتذكر في ذلك الوقت اللاءات الثلاث التي اتخذت في مؤتمر القمة في الخرطوم. لقد كان من الممكن ان يستمر الرأي العام الغربي على موقف الادانة لاعمال اسرائيل حيال العرب، خاصة مصادرة الاراضي وانشاء المستوطنات، منذ ذلك الوقت المبكر، فقد كانت وسائل الاعلام الغربية، او كثير منها، تتبنى موقفا انتقاديا حيال اسرائيل، بل بعضها كان معاديا للأعمال الاسرائيلية، حيث كان العرب هم الضحية والمعتدي هو اسرائيل، إلا ان الاعمال التي قام بها بعض العرب بعد هزيمتهم في 1967، خاصة اختطاف الطائرات، ثم ما وقع في اولمبياد ميونيخ، وما حدث من اختلاط الاوراق بين المدافعين عن حق ومتبني «الارهاب»، هذه الاعمال مكنت اسرائيل من الافلات من دائرة الادانة، ومن هذا المنفذ، استطاعت ان تمرر سياستها في الاستيطان، الذي انتشرت بقعه كالورم الخبيث في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل وحتى في سيناء المحتلة على الجانب المصري، إلى ان اصبح الاستيطان هو المشكلة بدلا من أن تكون المشكلة الرئيسية هي الاحتلال. صراع غير متكافيء والآن، في الانتفاضة الحالية تكاد تتكرر المشكلة الاعلامية نفسها، فقد تعاطف كثير من الاعلاميين الغربيين مع القضية الفلسطينية، بعد ان وجدوا على الارض ان هناك شعبا مظلوما يكافح من أجل نيل حريته واستقلاله، كما وجدوا آلة عسكرية ضارية لا تفرق بين المدنيين من الاطفال او الشيوخ او النساء، الى درجة ان المقال الصادر في «الجويش كرونكل» الذي اشرت اليه، يدين هؤلاء الصحافيين الذين اتهمهم بأن لهم «مواقف» مسبقة وأنهم قد صدقوا الفلسطينيين وتبنوا موقفهم بأن الانتفاضة هي عمل شعبي تلقائي نابع من الناس العاديين انفسهم، بعيدا عن اي تنظيم مسبق وليس له صلة بتخطيط القيادات الرسمية، الا ان المشكلة تكاد تتكرر فقتل «المدنيين» دون تمييز، في المدن الاسرائيلية يكاد يقلب الصورة من جديد، ليفقد الفلسطينيين التعاطف الدولي الكبير الذي سبق ان ربحوه على مدار عام كامل. وحتى ادانة الرئيس الفلسطيني لهذه الاعمال في العلن كما فعل اخيرا، لم تجد لها في الاعلام المضاد اي تأثير. نجاح اليهود على المستوى العالمي في توسيع وإبقاء فكرة الهولوكوست (محرقة اليهود في أوروبا) الى يومنا هذا حية، حتى صارت هاجسا متجددا في العقل الجمعي الغربي، هذا النجاح، يتمثل في انهم اظهروا للعالم ان هناك طرفا مستضعفا مغلوبا على امره، وطرفا غالبا فظا وغير انساني، هو النظام النازي في ألمانيا في عهد الرايخ الثالث. كما ان النجاح الاعلامي الذي حققته الانتفاضة الفلسطينية الاولى، يرجع الى السبب نفسه تقريبا، وهو ان هناك شعبا يناضل من اجل استرداد حقه في الحياة ويقاوم الظلم بالحجر. لكن تبقى الخطورة في ما نشاهد اليوم ان هناك صراعا بالسلاح، وهو صراع غير متكافيء لا في حجم السلاح وكمه ولا في كيفه وتقنيته، وهنا المأزق الحقيقي الذي يقع فيه الفلسطينيون، ذلك ان الاطراف الخارجية التي تراقب الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، سوف يجدون الفرصة متاحة أمامهم لاعتبار ان هذا الصراع هو صراع متكافيء بين طرفين مسلحين، ومن ثم ستسقط الحجة الفلسطينية التي تكسب تعاطف العالم باعتبار الطرف الفلسطيني هو الطرف المستضعف في هذا الصراع الذي يفرض عليه من قبل قوة عسكرية عاتية وشرسة وظالمة. دور المهاجرين النجاح الاعلامي اليوم في عرض القضية الفلسطينية في دوائر الغرب، يعتمد جزئيا على كثافة التصدي للقبضة الحديدية التي يحملها شارون، بالمقاومة المدنية، لذا تجد من يدين اعمال شارون في وسائط الاعلام الغربية على نطاق واسع، وحتى وسائل الاعلام المتعاطفة مع اسرائيل، فهي تستنكر ما تراه من اغتيالات تقوم بها الدولة الاسرائيلية حيال بعض الشخصيات العامة الفلسطينية، ولكن علينا جميعا ان نحذر بأنه مهما بدت الاهداف مقبولة، والمبررات سائغة لجهة قيام الفلسطينيين بأعمال تتعرض للمدنيين الاسرائيليين، فإنه ينبغي على الفلسطينيين ان يتخلوا عن هذا الخيار، حيث ان اعمالا من هذا النوع ستضعف بالتأكيد من القضية ولن تكون عامل قوة لها من الناحية الاعلامية على الاقل. تبقى نقطة مهمة، وهي ان السياسيين في الغالب، لا ينشغلون بما يقال في الاعلام الا اذا كان يؤثر فيهم تأثيرا مباشرا، وهنا يتعين تفعيل دور المهاجرين العرب والمسلمين في بلاد الغرب، عن طريق فتح قنوات للاتصال بهؤلاء السياسيين وتعرية التعسف والتسلط والظلم الذي يقع على العرب في فلسطين، فإن كان هناك طريق لاقناع السياسيين الغربيين، فأحد الطرق الناجحة هي تقوية ودعم التجمعات العربية والمسلمة في الغرب، خاصة بعد ان اصبحت لها منظماتها وأجهزتها التي بدأت تمارس حضورا وتأثيرا في دوائر عدة. لقد استفادت اسرائيل من اتفاق اوسلو في اعادة علاقاتها الدولية، فقد تضاعف ثلاث مرات عدد الدول التي اعترفت باسرائيل منذ سنة 1993. وهذا التوسع اصبح عبئا في نهاية الامر على اسرائيل، خاصة منذ الانتفاضة الاخيرة التي تكمل هذه الايام العام الاول لانطلاقها. فهذا العدد الكبير من الدول التي تعترف باسرائيل وتقيم علاقات معها، يمكن للفلسطينيين والعرب التأثير في دوائر صناعة القرار فيها، بما يحقق ضغوطا على اسرائيل لمصلحة المطالب الفلسطينية العادلة. ولا شك في ان هناك وسائل ناجعة يمكنها تحقيق هذا الهدف، فالصورة والكلام المختصر على شاشات التلفزة العالمية، والتحدث باللغة التي يفهمها الغرب واختيار القضايا التي يناصرها العالم، كما حدث اخيرا في مؤتمر دوربان، كل هذه الوسائل وغيرها يمكن ان تقود إلى اقناع الرأي العام العالمي بعدالة القضية التي يناضل من اجلها الفلسطينيون. والمكاسب واضحة ومبشرة، بدليل ذلك المقال الصادر في الكرونكل، والذي يؤكد ان بين اسرائيل والاعلام العالمي مشكلة. فهل جاء دور الفلسطينيين للافادة من هذه «المشكلة» وتحقيق الارباح الممكنة، بعيدا عن ظلال مراحل سابقة عاشها العرب كانوا يتفننون في تضييع الممكن في سبيل المستحيل؟! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت