لم أدرك التشابه بين الصوتين الا بعد انقضاء حوالي ثلاثة، أو أربعة وأربعين عاما، ومن خلال استعادتهما مع أن ورود الصوت على الخاطر والوعي به أو استعادة ايقاعاته وخصوصياته مما يشق على الإنسان عامة وعلى خصوصا. لا أقدر على تعيين مبتداها ومنتهى نبرها. إنه سار، متصل، يبدأ حيث لا يمكنني التعيين ويمضي الى حيث يصعب القطع، فكأنها علامة مائية في الماء، كيف يمكن الإدراك اذن؟ المكان مؤطر، كذلك الزمن في عمومه وليس في تفصيله. درب الطبلاوي. آخره، الى اليمين المؤدي الى عطفة باجنيد القصيرة، غير المؤدية الى منفذ آخر، تنتهي بسور فناء خلفي لبيت سباك في شارع قصر الشوق اسمه رضوان، اصلع تماما، يتقن تقليد المطرب عبدالعزيز محمود ويحفظ أغانيه كلها، غير أنه كان يتقن أمرا مختلفا تماما عن السباكة، إذ كان متخصصا في تلقيح الخيل والجمال وتوليف الحمار على الفرس أو الحصان على الحمارة لانجاب البغال، أما خبرته بالظروف التي يمكن للجمل أن يلقح خلالها انثاه فلا يماثله فيها أحد، والجمل صعب الأحوال، غريب الأوضاع، كان الفناء الخلفي مكانه المفضل، الرحب للتوليف، وعند انبعاث صهيل الحصان المجلجل بالنشوة يسود الحارة عبق، تتجه الحواس مشرئبة بفضول، يسود صمت متواطئ بين الجميع، أما صوتها هي فخصني وحدي. أول ماسمعته عندما وقفت بقوامها الفاره تنادي صاحبتها ياخديجة. ليس صوتا، انما زهو وانبثاق وتلألؤ ضوء مصهور، شعاع مذاب، ممتد. لا يتوقف عند خروجه مكتملا من حنجرتها، انما يستمر مصعدا في الفراغ، ويستقر في مكامن الذاكرة ليفاجئني بعد أكثر من أربعة عقود عفيا، متقدا، مع أن صاحبته ربما لا تكون مقيمة في هذا الوجود الحاضر لحواسي الآن. ياخديجة انطلاقه يلغي ماعداه، تصبح اللحظة والموضع المدرك منه والخفي مجالا لذبذباتها ومايصدر عنها، كانت زميلتها أو صديقتها الأقصر منها والممتلئة قليلا تجيبها بعد أول نداء، مرات نادرة بعد اثنين، لم يعلق بذهني أي ملمح من ردها أو جوابها على سعاد، صوتها خافت، ذو مستوى واحد، لا يمر خلالي، انما الى جواري أو بعيدا عني، لا فرق، صوت خال من الوديان النازلة والذرى الطالعة، ليس فيه مايدغدغ أو يرقرق، أما الصوت الاول فمحرض، يمس شغيفات قلبي، ويرسل الى دقاته أزيزا خافتا، عسر توصيفه، يدفعها الى الركض في أثر بعضها حتى لأخشى التوقف المباغت. توحد النداء بقوامها، لا يصدر عنها ولا تطلقه الا اذا كانت واقفة متطلعة، مشرئبة، مكتملة اشهار غصنها السرح، اللدن. تقف عند المدخل، تتراجع قليلا الى الوراء، يصير قوامها متكئا على الفراغ الملامس لظهرها الى الطول المتناسق تنتسب، ومثل قوامها السيسسباني لم أر الا غصينات معدودات، لهن ذكر عندما يحين الأوان ويحل الظرف المواتي. انه الوضع الذي تتأهب خلاله لتنادي، لتطلق مويجاتها. أول من يدركها حاسة سمعي، أثق أنني ألم به قبل صحبتها المعنية، لم أتوقف عند اسمها قط، لكنني أشهر حواسي لاستيعاب الذاهب المولي، المبتعد، فلا يستغرق الحدث الا مقدار نطقه، لكن مايخلفه عندي كثير، متعدد الأوجه، بعضه كمن، وقليله ظهر. لحقني صوتها في أماكن وأويقات وأوضاع شتى. أدركني مقيما وراحلا، ممسيا ومصبحا وعند مسافات الشروق الأولى وطلات الغروب الأخيرة. اذا كنت راقدا أنهض، قاعدا أقف، ماشيا أكف، لكم اتسعت أمكنتي المحدودة لحظات استلامي أصدائها، تتخلل خباياي، أغمض عيني فأرى مالم أعرفه طول تحديقي ورنوي. بعد أن تناءينا مع مضي الأحوال وتبدل الأزمنة وبلوغي دياراً لن تحل بها ولن تنزلها واذا وصلت اليها لن تدرك أبدا أنني حللت بها، وهذا شأن كل غريب، عابر، غير مقيم، لكنها نفذت الى شغافي. ومست حناياي، بلغت مالم أبلغه مني، اذ أسمعها فجأة، لا أميز الحروف الصادرة عنها، لكنها هي، أصداء غامضة، تستعصي على وعي اذا قصدت استعادتها أو استرجاعها، أعرف مع الوقت أن الأصوات أول ماتبيد من الذاكرة، بداية معرفتي النسيان ضياع ملامح الأصوات وأصدائها مني، لكن أحيانا يباغتنا المفقود، يصبح مفردة من الهواجم، لا يستغرق المروق الا لحيظات يصعب رصدها، لكنها ربما تشعل حريقا من حنين، وربما تدفع الثابت الى الهيام، والمستكين الى اضطرام. كثيرا مادهمتني فجرا، اسمعها تنادي فجأة، قادمة من الصمت الى الصمت، دائما في الوقت الذي لا أتوقعه، في الزمان الذي لا أقدر على احتسابه، في الطرق القصيرة التي لم يتبق منها الكثير، عندما أبلغ ذلك الى الفاصل بين اليقظة والنوم، عندما تتداخل الحدود ويشق علي التعيين، أميز صوتها رغم امعاني في البعاد، لا أميز حروفها، بل لا أدري اذا كانت تنادي صاحبتها، أي أنني استعيد قديمها، أم أنها تخصني بنطق اسمي عبر الغوامض التي لا قبل لنا بادراكها أو استيعابها، في نقاط متباعدة من العمر بعد انقطاعي عنها وتنقلي في الأمكنة والأزمنة، واختفاء كافة ماعرفته من مصادر أبقت على وشيجة، بدأ ذلك برحيل أمي، وانقطاع شقيقتي عن زيارة جاراتنا اللواتي اتصلت أسبابهن بنا، لكم تطلعت الى أمس مبتسما، ابتسامة اعتدت مواجهتها بها عند شروعي في الثورية أو مس أمر دقيق، ولأنها ملمة، مدركة لسائر أحوالي. ما أخبار سعاد؟ أذكر آخر ما أطلعتني عليه، شيء ما يرتبط بمدينة المنصورة، هل التحقت بجامعتها؟ ربما.. هل التحقت بهيئة تدريسها بعد تخرجها؟ ممكن.. هل تزوجت وأقامت هناك؟ لا إفادة عندي، لم أحصل عليها من أي جهة أو شخص، كذلك لم يتكرر لقاؤنا الصامت بعد مغادرتها الحارة كذلك انتقالنا التالي، تعمدي المرور قرب حارة بيرجوان حيث استقرت بصحبة أسرتها بعد ظهور شروخ في بيتهم القديم بحارتنا وصدور قرار باخلائه من السكان، لو أبديت الهمة لتوصلت لشيء. لكنني أخشى سماع مايكربني. ومازلت بعد قطعي المراحل واتساع المسافات بيني وبينها. أتوقع اللقاء صدفة. هل سنتطلع الى بعضنا كما كان يحدث عند رؤيتي لها قادمة من الجهة المقابلة، خاصة ذلك الصباح، عندما لمحتها آتية ناحيتي وليست ماضية كما اعتدت هيئتها دائما. بعد اطلاقها النداء، ونزول صاحبتها توليان معا، فأراها ذاهبة، دائما ماضية، وأنا مطل، متشبث بحضورها الملفت دائما، في ذلك الصباح ابطأت وعندما تدانينا، حدقت بثبات الي، كانت تمسك بكراريس، ولفافة تحتضنها الى صدرها، حاجباها كثان، عميقا السواد، تبث الجرأة والتساؤل معا. أيقنت ادراكها اهتمامي بها. هل لمحتني مطلا من النافذة عندما فتحتها وبقيت محدقا بعض الوقت ثم اغمضت عيني تلقائيا عند سماع ندائها، فلم أصغ اليها الا بعد استبعادي كافة الموجودات المرئية، وهذا حالي عندما يداهمني بعد هذه المراحل المنقضية. انها المرة الوحيدة التي جرت فيها مواجهة، اشتبكت خلالها نظراتنا، غير أنني لم أنطلق، لم ألفظ تحية الصباح، أو كلمة ما، هكذا لم يقدر لها الاصغاء الى صوتي، لم أقصد سمعها بمويجاته، ولم أتلق عنها مباشرة، كنت في عنفوان خجلي وانطوائي، للأسف لا يمكنني تعيين هذا الصباح المتأجج وان كنت قادرا على تحديد الفصل. لابد أنه صيف، اذ كانت ترتدي قميصا كذلك حالي، لفترة طويلة تدركني هزة اذا رأيت مايتعلق بها، خاصة خالها المدرس الذي علمني في المدرسة الابتدائية، وأبوها له طلة خاصة بين من استعيدهم، بمجرد أن يخطر لي أراه ساعيا، يرتدي قميصا أبيض اللون وكنزة من الصوف بدون كمين وبنطلون، أصلع، واسع العينين، تماما مثلها، مشيته مشيتها، كان يعمل في معرض للملابس الجاهزة، ناحية السكة الجديدة، اعتاد ابي أن يصحبنا اليه مرات كل عام، الأولى صيفا والثانية شتاء والثالثة عند دخول المدارس، أما الرابعة والخامسة فمع حلول العيدين، يقف والدها في القسم المخصص للقمصان، اذ يرانا يبدي ألفة ومودة. «أهلا ياأحمد.. ربنا يخلي لك الأولاد» أستعيد وقفته، استدارته الى العلب الكرتونية المستطيلة ذات المقابض المعدنية ليسهل سحبها من فوق الأرفف، لا أعي منه إلا وقفته وطلته، وانتظاره اختيارنا، لكنني أجهل كل مايخص صوته، لم أفكر فيه قط، انما الأمر متعلق بتلك التي بقيت مدة كامنة بين صلبه وترائبه. بقي عندي منها مادفعني الى انتظار صدوره عنها، ماجعلني انتظره مغمض العينين، حتى اذا ماوصلني سري عندي فأبهج، كان ذلك لحظة وقوعه، لكنني فيما تلى انقطاعها، رحت استعيدها فلم يتجسد لي الا أصعب مايمكن استعادتها وأعني صوتها. تلك الشرخة النعومية التي تقع بعد بدئه بشعيرات من الثانية، أجتهد لتوصيفها، أبث ماأقدر عليه من جهد، صعب احتواء أي صوت بالوصف الدقيق، رغم أن الكلمات وليدة الصوت، مستخرج منه، لكن ثمة مناطق يدركها الحس ويشق علي وعلى غيري التأشير والتعيين. في البداية وقفت عليها في مجملها، لم أدرك منبع لفت نظري الا من خلال الاستعادة. تلك البحة السعادية، هذا الانتظار المفاجيء المزجج، لا أعرف مثيلا له. ربما يكون بداية اهتمامي وادراكي لرفعة الصوت، وانه ليس مويجات ونغمات، انما تصوير وتلخيص، تصوير للدخائل والرقائق، إذ أصغي عبر الهواتف أعرف أحوال من يخاطبني، من يحاورني، اذا كان مرحبا. أو متبرما، اذا أدركه ضجر أضع يدي عليه، اذا خفى أمر عليه يظهر عندي، مثل أعياء عابر، أو وهن مدسوس. أدركت السبب الكامن وراء ذلك الطلب الغريب الذي يبديه الأطباء عند الفحص.. قل آه .. آآآآآ.. ه .. تكشف الآه عن مكمن الداء، غير أن ماينتسب اليهن أكثر فاعلية، وأشد تأثيرا، لا أعرف على وجه الدقة متى بدأ هواي بالأصوات، هل يمثل في جوهره نزوعا أم اكتشاف متعة لم أعرفها من قبل، أم بحثاً بشكل ما عمن تشبه وتكاد تلامس وتقترب هذا باب يطول الحديث فيه. والأعجب أن الشقة كلما بعدت ونأت دخل في مجال فهمي مالم أعرفه من قبل، من ذلك ما وقع لي قبل بدء هذا التدوين الذي شرعت فيه بعد أكثر من أربعة عقود على إصغائي الى شرختها أو بحتها كان صوتها شرخة مماثلة، وصدعاً مقارباً. أكاد أراها، واقفة فوق السطح المحمل، المثقل بأعواد البوص، وأقراص الجلة، تطل على فناء البيت قبل ان تخفيها الحاجة مبتعدة، متنقلة عبر أسطح البيوت حتى وصولها الى حيث تقيم، في لحظة وقفتها تلك ترفع درجة صوتها اذ تطل علينا، أولى البصر تجاهها قبل أن تمضي، قبل أن تغيب، عبر طلتها، وصوتها المرتفع سرت الى تلك الشرفة فعلقت ولقيت منها تعبا، الآن لا أعرف من أستعيد على وجه التمام، الآتية أم.. الماضية؟!