ما ان حططنا الرحال في نيويورك وما ان تيسر في الجيب ومن ثم في اليد بعض الدراهم حتى انطلقنا إلى "يونيون سكوير" ميدان الاتحاد كما لا يخفى على فطنتك في الجزء الجنوبي من مانهاتن ـ نيويورك ـ حيث تقبع المكتبة المفضلة لدى العبد الفقير وهي أقرب الى «سوبر ماركت» كبير ان أجزت هذا التعبير الذي لا نحبه أصلا وانما هو لتقريب الصورة بمعنى انها ليست مكتبة عامة يؤمها أمثالنا من القارئين أو المستعيرين الذين لا يزالون بالكتاب شغوفين وعلى الكتاب حادبين بل وربما مشفقين بعد أن دخلت السوق أقراص الليزر (سي.دي.روم) كما يسمونها وبعد أن أطل الكتاب الالكتروني برأسه مهددا وجود ذلك الكائن الطيب الرقيق الذي صاحبناه طيلة سنوات العمر الكتاب بأوراقه التي تكتسب مع الزمن عبقا خاصا لا يعرف الشوق اليه الا من يكابده (جرب مثلا أن تفتح مصحفا شريفا موروثا عن الآباء أو الأجداد سوف يطالعك هذا التعبير المخصوص يفوح بين الصفحات التي علاها اصفرار الزمن). ميزة مكتبة "يونيون سكوير" ـ ولن أذكر اسمها التجاري حتى لا يطالبنا قسم الاعلانات في «البيان» بثمن الاعلان ـ أنها مكان فسيح من أربعة طوابق عرف أصحابه أو مصمموه كيف يسعدون القارئ الزائر من اجل أن يكسبوه تدخل من أربعة أبواب فإذا بك امام منصة تعرض أحدث الكتب صدورا وبعدها منصة أخرى عن أكثر الكتب الصادرة رواجا وأخرى عن الكتب الجديدة والجديرة بالاهتمام (نيو آند نوت وورثي) ثم كتب السيرة والتراجم الصادرة مؤخرا ثم الأعمال الروائية الحديثة الصدور ثم الكتب المخفضة الأسعار ومعظمها موسوعات وكتب معلومات عامة وكل هذا في الطابق الأول ولن نسترسل عن محتويات بقية الطوابق التي تحفل بالكتب الأكاديمية والبحوث الرصينة الصادرة عن الجامعات المرموقة ولكن حسبنا أن نذكر أن في الطابق الثالث توجد كافيتريا عظيمة الشأن لزوم جلسة حميمة على فنجان كابوتشينو معتبر في صحبة كتاب أو رواية صادرة (من قسم الدوريات الذي يحوي مجلات متخصصة في أمور قد لا تخطر للعبد الفقير على بال) ناهيك عن الأرائك المريحة والكراسي الوثيرة المبثوثة في الزوايا والأركان والسعيد من يفوز بكرسي منها قبل غيره من الزبائن والا فدونه الأرضية المفروشة بسجاد الموكيت إياه فليتخذ قعدته ويقرأ وكله. كله على حساب الخواجة بطبيعة الحال ذلك الى أن يهيئ له الله من أمره رشدا فإذا بمثل هذا الزبون لا يخرج من هذه التجربة الا وقد اشترى كتابا أو أكثر بعد أن يمضي في المكان سحابة نهار ممتع ومفيد. ما ان توجهنا الى المكتبة حتى لاحظنا هذا الاهتمام الغريب بحكاية الخواجة جيمس بوزويل الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في انجلترا واقتصرت شهرته على كتاب واحد أصدره عن حياة صديقه وأستاذه الدكتور صمويل جونسون على نحو ماقصصناه عليك في حديث سبق. وعندنا أن تلك ميزة يختص بها أهل الغرب ليس عندهم أحكام مستقرة ولا مقولات ثابتة راسخة الى حد التكلس أو التصنيم كما قد تقول: كل شيء عندهم قابل للتغيير والتحديث والأخذ والرد كل الأحكام قابلة للمراجعة والتبديل بالحذف والاضافة وعندنا أن مثل هذا النهج في مضمار الأدب والفلسفة والمعاملات والكتابة التاريخية أمر مفيد بل هو صحي وضروري لتجديد فكر الأمة اضفاء دماء الحيوية على حياتها وكسبها وهم يفعلون ذلك لا لمجرد التجديد أو رغبة التغيير بل لأنهم اكتشفوا حقائق مستجدة أو توصلوا الى زاوية غير مسبوقة يطلعون منها على قضايا المجتمع وسير الأفراد الكبار قادة الفكر وزعماء السياسة وقد تهديهم هذه المراجعة الى انصاف قائد ظلمته المقادير أو الى اعلاء زعيم لم يأخذ حقه من التقدير، وقد تهديهم أيضا الى تحجيم فرد نال أكثر من حقه أو الى حذف مآثر منسوبة لقائد لا يستحق الفضل عنها وهم في هذا كله يصححون اخطاء ويلتمسون الحقيقة ويعلون من شأن المراجعة ويؤمنون - كما قال شاعرهم الناقد الكبير تي.أس.اليوت: أن الحاضر يؤدي الى تغيير الماضي. بهذا المقياس ظهرت في فترة اقامتنا في نيويورك ـ مستهلها على الأدق ـ كتب ودراسات تناولت من جديد حياة صمويل جونسون وقد كان ـ كما وصفنا في حديث الأسبوع الماضي عين أعيان الأدب والابداع الانجليزي في القرن الثامن عشر.. وفي اطار هذه الظاهرة بدأت عملية انصاف لمترجم حياته ومؤرخ سيرته الأخ جيمس بوزويل الذي طالما ظلمه النقاد وقالوا انه كان رجلا ساذجا التقى بالعملاق جونسون اذ كان في الثالثة والخمسين فيما كان بوزويل في الثانية والعشرين.. وفيما كان الفرق بينهما 21 سنة دامت صداقتهما 21 سنة أيضا ظل بوزويل على مداها لا يكاد يفعل شيئا في حياته سوى أن يسجل بطريقة اختزال اصطنعها كل ما كان يصدر عن (بطله جونسون) من قول وفعل من أحكام نقدية كانت صائبة بقدر ماكانت قاسية بل مقذعة في بعض الأحيان هذا فضلا عن محادثات ومحاورات مع عمالقة الأدب والفكر والفن والفلسفة في عصره ناهيك عن أقوال في الاخلاق والسياسة وفي الفن والاجتماع. خمس سنوات امضاها بوزويل المسكين يجمع مادة كتابه وكانت الخامات هي المذكرات المختزلة التي دونها في حينها ثم رسائل جونسون وأوراقه الخاصة - والحكايات الشخصية التي كان يلزم تحقيق صدقها من أطرافها الذين كانوا على قيد الحياة بعد موت جونسون نفسه يومها كان بوزويل في حال العوز ومن الاكتئاب ومن الانهاك لدرجة أن كتب رسالة لصديق يقول: لقد بلغ هذا العمل من الجسامة لدرجة فكرت فيها أن اتخلى عن الأمر كله. مع ذلك فقد واصل الجهد واخرج كتابه للناس وعلى الفور راج الكتاب لأنه كان حدثا جديدا في فن كتابة السيرة لم يلجأ الى تكريس البطل ولا الى أسلوب التمجيد أو التذويق أو حتى التبرير لقد قدم الى الناس رجلا من لحم ودم كم أخطأ وكم أصاب وكم يكون العملاق كبيراً في يوم وصغيرا في يوم آخر لأنه بشر في كل حال. لي شخصيا تجربة بل أزمة مريرة منذ فترات الشباب مع حياة العقاد الذي كنت وربما ما أزال أكن له احتراما لفكره واجتهاده وعصاميته وحين رأيته يوما واقفا ينتظر التاكسي أمام مبنى دار الهلال احسست كمن اصابته صاعقة من فرط هيبة العقاد ولكن ماذا أصنع مع العقاد وقد عرفت ـ على كبر ـ أن كان يمارس التنطيط في حافلات الترام في قاهرة العشرينيات أو الثلاثينيات لا أدري وهو يطارد فتاة من سفلة القوم استسلم الكاتب العملاق لأن يقع في حبائلها وأن يكتب عنها قصته الشهيرة سارة؟ أخيرا ما الذي حرك الأوساط الأدبية في أمريكا والغرب لمعاودة النظر في انصاف بوزويل هذا ومراجعة مكانته صعودا أو احتراما في بانثيون العظماء الاعلام في أدب الانجليز؟ السبب هو ان جامعة بيل الأمريكية «وهي مشهورة بانها من أهم مراجع الدرس في آداب الانجليزية ولا سيما أعمال ويليام شكسبير» قد أخرجت الى الناس مؤخرا طبعة من أعمال بوزويل نفسه وهي بسبيل اخراج طبعات لأعمال جديدة تم اكتشافها ومن ثم وقف الدارسون مبهوتين بالاعجاب أمام ما خلفه جيمس بوزويل من مذكرات عن حياته وعصره 14 مجلدا بالتمام والكمال هذا عدا الرسائل والمسودات والخواطر وغيرها وقد بلغت من الغزارة الى الحد الذي أن يقول الناقد تشارلس ماجراث رئيس تحرير ملحق الكتب في دار نيويورك تايمز: - إن غزارة المادة التي اكتشفوها خلقت حرفة يسميها المختصون «صناعة بوزويل» وفي اطارها اعادوا اكتشاف وتقييم مواهب الرجل بعد ظلم «دام 200 سنة تقريبا» ولم يعد هو الأحمق العظيم كما كانوا يسمونه مقارنة بالدكتور جونسون العملاق ـ بل يكاد الأمر ليتحول الى أن بعض الأوساط الأكاديمية بدأت تركز الأضواء بالدرس والنقد والتحليل على جيمس بوزويل وموهبته التي طال انكارها أما الدكتور جونسون فقد أحالوه الى حيث اجلسوه في مقعد السائق كما يقول التعبير الانجليزي باعتبار أن قائد القاطرة هو بوزويل شخصيا وانه ـ ولا فخر ـ هو المبدع الحقيقي في كتابه لشخصية اسمها الدكتور صمويل جونسون. أرأيت ـ يامولانا ـ الى أن السادة كوبر نيكوس وجاليليو واضرابهما كانوا على حق حين قالوا: أن الدنيا ـ تدور؟