ثمة ظاهرة مريعة يمكن وصفها بوصمة عار في جبين الانسانية، ورغم انها تجري امامنا كل يوم ومع ذلك لا يوليها الاعلام والخطاب العام في الدول العربية أية أهمية.. اقصد قضية المهاجرين غير الشرعيين. فهؤلاء يخرجون كل يوم وكل اسبوع من منطقتنا والمناطق القريبة منا، قاصدين البلدان المتقدمة. منهم من يوفق في سعيه بعد طول عناء ويصل الى بر الامان، ومنهم من يبتلعه البحر ومنهم من يجد طريقه الى معسكرات ومعازل اللجوء. والهجرة في حد ذاتها ليست ظاهرة جديدة، كما انها ليست مقصورة على العرب او المسلمين، فكثير من افراد الشعوب عرفت الهجرة في وقت من الاوقات، اما بحثا عن الرزق أو الامان او التطلع نحو حياة افضل. لكن نوعية الهجرة التي تحدث اليوم والطابع المأساوي الذي تتخذه، تجعل منها قضية على قدر كبير من الخطورة، ولست ادري لماذا لا تتخذ هذه القضية حجمها الطبيعي وأهميتها التي تستحقها فعلا، سواء بالنسبة للرأي العام العالمي او بالنسبة للدول التي ينتمي اليها هؤلاء المهاجرون! أهو عدم الاكتراث بحياة ومصائر هؤلاء أم هو رضى وغبطة للتخلص من اعداد اضافية من البشر، عبر تصديرهم الى الموت او الهجرة؟ طريق الموت يمر المهاجرون عبر عدة طرق، فمن شمال افريقيا وتحديدا من المغرب الى اسبانيا عبر مضيق جبل طارق، ومن تركيا وشمال العراق باتجاه السواحل اليونانية والايطالية، ومن ايران وباكستان عبر اندونيسيا باتجاه استراليا. وغالبية المهاجرين، كما تدل احداث السنوات الماضية هم اما من اكراد العراق واما من الافغان والايرانيين واما من المغاربة ومواطنين بلدان جنوب الصحراء. ولنسارع الى التوضيح هنا بأننا نتحدث هنا فقط عن الهجرة غير الشرعية، وليس عن الهجرة عموما، والتي تفوق اضعاف هذه الهجرة سنويا، ولكن من دون ضجة لانها تأخذ الطريق الشرعي. وعلى هامش الهجرة غير الشرعية هذه فقد نشأت عصابات ومافيات تدير هذه التجارة الرابحة فالمهربون الذين يتقاضون مبالغ كبيرة (تصل الى عدة الاف من الدولارات لكل مهاجر) لا يتحملون في الغالب اية مخاطر جدية. فهم يستأجرون سفنا غير مسجلة ومجهولة الاسم في الغالب، والقليل من مستلزمات الرحلة، ويشترطون على المهاجرين ان يتركوهم على مسافات مئات الامتار من الساحل كي يتمكنوا من تدبير امر هروبهم. واحيانا يقوم المهربون بخداع ركاب السفينة، وينزلون في مناطق وجزر بعيدة عن المكان المتفق عليه، ويهربون في قوارب سريعة، تاركين المهاجرين يواجهون حظهم العاثر. والمهاجرون انفسهم يعرفون او يتوقعون حدوث مثل هذا الامر، ومع ذلك يوافقون على وضع مصيرهم بايدي عصابات التهريب، ربما بسبب يأسهم ورغبتهم الماسة للهجرة. ففي الاسبوع الماضي فقط كانت ثمة اكثر من حدث محزن.. ننتقي منها اثنان، الاول هو انقاذ سفينة الشحن النرويجية تامبا لعبارة اندونيسية اوشكت على الغرق وكانت تقل 438 مهاجرا معظمهم من الافغان، وبينهم اكراد عراقيون ومن جنسيات اخرى. وقد استجابت السفينة النرويجية لنداء استغاثة طاقم العبارة، واقلت الركاب الذين كانوا ينوون التوجه الى استراليا، وهم في حالة اعياء كامل. وقد ظلت السفينة النرويجية بركباها اكثر من اسبوع في عرض البحر وهي غير قادرة على الرسو بعد ان رفضت السلطات الاسترالية السماح لها بالاقتراب من اليابسة. وبعد ضغوط دولية وتهديد المهاجرين غير الشرعيين بالقاء انفسهم في البحر او الانتحار، استجابت استراليا ووافقت على نقلهم الى جزيرة بابوا غينيا الجديدة، ولا يزال مصيرهم غير معروف حتى هذه اللحظة. اما الحادث الثاني فهو رسو سفينة (مصدرها ازمير غربي تركيا)، عند شاطئ ماندودي في شبه جزيرة اوبي اليونانية، وقد هرب طاقمها بعد ان اجبر الركاب على السباحة مئات الامتار قبل الوصول الى الشاطئ، وكان عددهم الاجمالي 350 معظمهم من اكراد العراق وبينهم بعض الافغان، وصل منهم فقط 205 في حين يتوقع ان يكون الباقون قد ماتوا غرقا أو جوعا. بالطبع هذان حدثان فقط وهما لا يلقيان الضوء سوى على جزء ضئيل من حجم وملابسات الهجرة والمعاناة الرهيبة التي يكابدها المهاجرون. فما بين المغرب واسبانيا (وهو مضيق مائي) يموت سنويا عشرات الالاف غرقا وهم يحاولون الوصول الى الشواطئ الاسبانية، التي حتى وان وصلوها احياء فانهم لا يحصلون فيها على اللجوء بسهولة. مصادر الهجرة ان السؤال الذي يراود أذهان الكثيرين وانا منهم، هو لماذا يغامر هؤلاء بحياتهم، الى هذه الدرجة والتي تصل نسبة الهلاك فيها احيانا الى اكثر من ثمانين في المئة؟ أليس الاجدى اذا كانت حياتهم قد وضعت على كف عفريت ان يموتوا في بلدانهم؟ اقول ان مثل هذا السؤال لابد ان يراود نفس كل انسان. ولكن علينا في المقابل ان نضع انفسنا في مكان هذا المهاجر، بوضعه وبيئته البائسة، كي نتمكن بعد ذلك ان نحكم بصورة صحيحة. واقع الحال يقول ان المناطق التي يأتي منها المهاجرون تتساوى فيها خيارات الموت مع خيارات الحياة، فالفقر والبؤس وانعدام أي أمل في الحياة هي قواسم مشتركة بالنسبة لهؤلاء. ويكفي ان نعرف على سبيل المثال ان الافغان الذين يهاجرون الى مختلف الاصقاع، يأتون بصورة اساسية من مكانين هما باكستان وايران. فهذان البلدان يضمان حوالي 3.6 ملايين لاجئ بسبب الحرب المستمرة في افغانستان منذ اكثر من عشرين عاما. وطبقا لاحصاءات الامم المتحدة فقد فر منذ بداية هذا العام 2001، حوالي 180 الف افغاني الى باكستان، و200 الف اخرين الى ايران، لاسباب متعددة منها المضايقات والاضطهاد والحرب والجفاف، في حين تقول الامم المتحدة انه يوجد نحو 10 الاف افغاني معزولين في منطقة حرام بين افغانستان وطاجيكستان. ومع استمرار الحرب في افغانستان فانه ينتظر ان ينزح المزيد من البشر من هذا البلد الى دول الجوار، التي تعيد تجميعهم في معسكرات لجوء هي اشبه بزرائب الحيوانات منها الى اماكن لعيش البشر. وكما هو الحال في عملية الانتخاب الطبيعي، يتمكن فقط جزء من هؤلاء من الهجرة عبر عدة دول وبعد قطع عشرات الالاف من الكيلومترات، ليشق عددا منهم طريقه بنجاح في نهاية الامر الى اماكن الاستقرار الجديدة في أوروبا او الامريكتين او استراليا او نيوزيلندا. منطقة بائسة الواقع ان المهاجرين غير الشرعيين ورغم اعدادهم الكبيرة هذه، الا انهم لا يشكلون نسبة كبيرة من عدد المهاجرين الشرعيين الذين يخرجون كل عام بمئات الآلاف من المنطقة العربية. وبسبب ظروف الهجرة نفسها وما تتطلبه من قدر من التكتم والسرية، فانه لا يوجد احصاء دقيق للعدو الاجمالي لهؤلاء، لكن اضعف التقديرات تقول انهم لا يقلون في الغالب عن مليون شخص سنويا. فدولة مثل لبنان هاجر منها في العقد الماضي فقط حوالي مليون شخص، اي بمعدل نحو مئة الف مهاجر في السنة، معظمهم من حملة الشهادات الجامعية، في حين لا يقل العدد عن ذلك بالنسبة للدول المصدرة للهجرة مثل مصر والمغرب وقد اضيفت الى هذه القائمة في السنوات العشرة الاخيرة مناطق النزاع والحروب، في العراق والجزائر والصومال والسودان. وبصورة ما فان المنطقة العربية باتت من المصادر الكبيرة، ان لم تكن الاكبر للهجرة في العالم. وهذا الامر ليس اعتباطا، اذ ان له ما يدعمه على ارض الواقع فأكبر ثماني دول عربية يعيش نصف عدد سكانها تحت مستوى خطر الفقر ( حيث دخل الفرد لا يزيد على دولار الى دولارين يوميا) وتبلغ البطالة بين القادرين على العمل نسبا تتراوح بين 20 و40 في المئة. وفي دولة مثل الجزائر التي يبلغ عدد سكانها حوالي 30 مليونا، فان 18 مليون انسان يعيشون عند مستوى خط الفقر. وتدل جميع المؤشرات على ان الوضع مرشح للمزيد من السوء في السنوات المقبلة، فليس هناك بوادر اصلاح اقتصادي او تحسن في الوضع المعيشي او تقلص في عدد الازمات السياسية. على العكس فكل يوم يحمل معه المزيد من الاخبار السيئة. والمفارقة العجيبة ان عدد السكان في المنطقة العربية في تزايد مطرد، لا يتناسب مع الاوضاع السيئة التي يعيشها القسم الاكبر منهم، بل ان دولة تعتبر من افقر الدولة العربية «السودان» يدعو رئيسها مواطنيه الى الزواج بأكثر من واحدة لمضاعفة عدد الشعب!! بينما في دولة مثل روسيا التي تعاني من صعوبات اقتصادية جمة، يرتفع وعي الناس فيها الى مستوى ان يختاروا طوعا وبالضد من دعوات الدولة، خيار الامتناع عن الانجاب، او تقليله الى ادنى مستوى ممكن، احساسا منهم بعدم القدرة على اعاشة افرادا جددا في العائلة، حتى باتت الزيادة في عدد سكان روسيا تحسب بالسالب. واذا كانت الدول المتقدمة لا تزال قادرة حاليا او راغبة في استقطاب عدد كبير من المهاجرين العرب، فكيف سيكون الحال في السنوات العشر او العشرين المقبلة؟ في الواقع لا يملك الانسان سوى القول انه كان الله في عون هذه المنطقة وعون مواطنيها! ـ كاتب بحريني