تجارة المخدرات العالمية ما فتئت تتوسع وتزدهر في جميع انحاء الكرة الارضية رغم ما تبذل الحكومات والمؤسسات الدولية من جهود ذاتية وجماعية. لماذا؟ لمحاولة الاجابة عن هذا السؤال الكبير ، افردت مجلة «اكونومست» اللندنية ملحقا كاملا وما يمكن استخلاصه من وسط زخم الحقائق والوقائع المفصلة التي حفل بها هذا الملحق الوثائقي هو ان تجارة المخدرات العالمية هي من الضخامة بحيث ان الاجهزة الحكومية والمنظمات الدولية باتت مخترقة بواسطة أباطرة هذه التجارة. والحديث هنا بالأرقام ان معظم المنتجات المخدرة المنتشرة في بلدان العالم، غنيها وفقيرها، من اصل نباتات زراعية رغم توفر مواد اخرى من مركبات كيماوية. والمعلوم ان الانتاج الزراعي للمواد النباتية يتركز في ثلاثة بلدان: افغانستان وباكستان بالنسبة للأفيون الذي يستخرج منه مخدر الهيروين.. وكولومبيا (في امريكا النوبية) بالنسبة لنبات الكوكا الذي يستخرج منه مخدر الكوكايين. ولكن القسم الاعظم من العائدات المالية الضخمة لتجارة المخدرات العالمية التي تحسب بمليارات الدولارات ليس من نصيب اصحاب المزارع في تلك البلدان الثلاثة الفقيرة وانما يستأثر به بالدرجة الاولى أباطرة التوزيع العالمي في بلدان الغرب الصناعي، خاصة الولايات المتحدة. ومن التحقيقات المثيرة التي حفل بها ملحق مجلة «اكونومست» تحقيق مفصل يتابع الرحلة السعرية لكل من الأفيون والكوكا من مناطق الانتاج الزراعي الى مناطق التوزيع التجاري في الغرب. وهي رحلة مذهلة بأي مقياس. السعر الذي يدفع لمزارع افغاني او باكستاني عن محصوله من الافيون هو في المتوسط 90 دولارا للكيلو. ولكن بعد ان يتحول هذا الافيون الى هيروين يباع للزبائن في شوارع نيويورك فإن سعر الكيلو يقفز الى 290 ألف دولار. بالنسبة لنبات الكوكا فإن ما يدفع للمزارع الكولومبي عن الكيلو من هذه المادة الخام يتراوح بين 400 او 600 دولار. وعندما يصل المنتج النهائي ـ الكوكايين ـ الى شوارع المدن الامريكية فإن سعر التجزئة للكيلو الواحد يبلغ 110 آلاف دولار. والسؤال إذن هو: أين يذهب ذلك الفرق الخيالي ما بين سعر النبات وسعر المنتج النهائي؟ من الواضح انه من نصيب شبكات التوزيع التجاري التي يملكها «مستثمرون غربيون» يمارسون تجارتهم على نطاق عالمي، وإذا كان حجم هذه التجارة العالمية يقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنويا فإنها لابد ان تشتمل بطبيعة الحال على شبكات مصرفية غربية وشركات نقل ملاحي وأساطيل جوية خفية. لكن مع ذلك تبقى الاجابة عن السؤال ناقصة. فإذا كان المفترض ان تجارة المخدرات العالمية هي ابتداء وانتهاء تجارة غير مشروعة يجب مكافحتها على صعيد الحكومات والمؤسسات الدولية المعنية فأين نتائج جهود هذه المكافحة؟ لماذا يزداد وباء المخدرات انتشارا بما يعني ازدياد رواج هذه التجارة وليس ضمورها وتقلصها؟ ان كل حكومات العالم افردت تشريعات قانونية تشتمل على عقوبات صارمة ضد الترويج التجاري للمخدرات بأنواعها. وللحكومات اجهزتها من شرطة ومباحث جنائية بل ووكالات متخصصة في مكافحة المخدرات بما في ذلك اجهزة وطنية تعمل على نطاق دولي مثل «مكتب التحقيقات الفيدرالي» في الولايات المتحدة ومعه «ادارة مكافحة المخدرات»، وعلى صعيد التعاون الدولي هناك «الانتربول» الشرطة الدولية. واذا كانت الاجهزة الغربية ومعها الاجهزة الدولية قد فشلت في تسجيل انتصار حاسم على أباطرة تجارة المخدرات العالمية فإنه لا يبقى لدينا الا استخلاص واحد، وهو ان هؤلاء الاباطرة الدوليين نجحوا في شراء ذمم مسئولي وكوادر الاجهزة الغربية والعالمية. أحمد عمرابي