يوما بعد يوم، تتصاعد دعوة بعض العرب على المستويين الفكري والحركي السياسي، لاطلاق قناة فضائية اعلامية موجهة الى التجمع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين المحتلة، ويحفز على هذه الدعوة عوامل كثيرة أبرزها: الاتجاه الاسرائيلي الجدي للبث الاعلامي عبر فضائية تنشغل بمخاطبة العالم العربي وجواره الاقليمي. واستكمال منظومة تدعيم الاعلام العربي في اطار الصحوة الملحوظة للنظام العربي، التي يتبناها أمين عام الجامعة العربية، بتأييد من المتعاطفين رسميا وشعبيا على استمرارية هذا النظام وتعزيزه. والحق أن الدعوة لا تحمل من الناحية المضمونية جديدا من نقطة الصفر، ولا ينبغي النظر اليها كرد فعل للتطور الاعلامي على الجانب الاسرائيلي فقط فالاعلام الموجه الى الرأي العام الاسرائيلي، وظيفة عرفتها بعض الدول العربية، كمصر، منذ عقود وذلك من خلال البث الاذاعي بالعبرية، ضمن ما يعرف بالاذاعات الموجهة والاعلام الخارجي. ولذا فإن جديد الدعوة يتعلق بالشكل والاسلوب إذ أنها تستهدف مواكبة العصر وأدواته في التعامل الاتصالي الاعلامي، الذي يتبوأ فيه الارسال المتلفز عبر الفضائيات وشبكة الانترنت مكانة عظيمة، لا تنافسها عليه الاذاعات الموجهة مهما بلغت حرفيتها. وشأن كل دعوة تراود العقل العربي وتحلق في أفقه، فإن تحول الفضائية العربية المعنية بالداخل الاسرائيلي الى حيز الفعل والتطبيق، عملية تبدو محفوفة بقضايا اشكالية من أنماط مختلفة. فمن هي الجهة (المؤسسة) التي يراد بها ومنها هذا التطبيق.. أهي الدولة العربية وأجهزتها الثقافية أو الاعلامية القطرية، أم القطاعات العربية الخاصة أو الاستثمارية، أم الجامعة العربية في سياق خطة التطوير الجارية؟وما صلة هذه الفضائية المزمعة بقضية التطبيع والمعركة المحتدمة بين مؤيديه ومعارضيه؟ وما مضمون الخطاب الثقافي الاعلامي السياسي الذي ستلتزم به؟ تتأتى أهمية الاجابة المسبقة عن تساؤلات كهذه، من تأمل حال العرب في مقاربة طبيعة الصراع والمواجهة مع الكيان الصهيوني. هناك تباينات نسبية في هذا الاطار، علينا الاعتراف بها والتحسب لتداعياتها على سيرورة الخطاب الذي ستأخذ به الفضائية العتيدة. وتوضيحا نقول ان فضائيات تقترب من أحشاء اسرائيل من منطلقات سياسية مختلفة وأصوات متعددة، بخصوص الحقوق العربية وحدود الحرب والسلام.. سوف يكون لها مردود عكسي، ينتكس بالسياسة (أو السياسات) العربية في معمعة المواجهة الاعلامية المحتدمة مع اسرائيل ومحازيبها الدوليين. مساحة الديمقراطية هذه الملاحظة ربما أكدت ما نذهب اليه من أن السياسي هو الذي يبقى محددا أصيلا لفاعلية الاعلامي، وأن المعاناة الحقيقية للاعلام العربي، مبعثها العجز عن الاداء السياسي، ضمن مظاهر أخرى على الصعد الاقتصادية والعلمية والعسكرية ولهذا فقد لا نكون مبالغين حين نعتقد بأن البث الفضائي الموجه لاسرائيل، لن يضيف كثيرا لصالح الجانب العربي اذا ما كان هاجسه التقيد بحدود العجز السياسي الراهن، هذا دون التطرق لتفاصيل محبطة أخرى مثل حدود حرية الكلمة والتعبير، ومساحة الديمقراطية التي يمكن أن يتحرك الجهد الاعلامي في إسارها. على الجانب الآخر، لن تواجه الفضائية الاسرائيلية مشاكل من هذه النوعية فهي ستعنى بالتعامل مع ثوابت أو جوامع متفق عليها من كل ألوان الطيف السياسي بخصوص التعامل مع العرب وهي يقينا لن تتكلف عناء الجدل حول ما يعد تطبيعا أو غير ذلك مما سيشغل الخطاب الاعلامي العربي، ثم إنها ستكون في موقع أفضل نسبيا اذا ما تعلق الأمر باللغة والمصطلحات المستخدمة فهي بالعربية الفصحى يمكنها الوصول الى كل العرب من المياه الى المياه ولأن العرب ما زالوا في جدل عقيم حول مفاهيم الحرب والسلام والتسوية والتطبيع والتمييز بين مواقف رسمية وأخرى شعبية.. ألخ، فقد تجد الفضائية الاسرائيلية مداخل عريضة لبث الفتن والتباغض في الرحاب العربية. نضوج الفكرة وفي مناسبة اللغة والمصطلحات، علينا أن نتنبه الى الطبيعة الاستيطانية لاسرائيل، التي تجعلها مجمعا للغات والثقافات والميول.. وهذا يثير التساؤل عما اذا كانت (العبرية) تكفي لاداء الغرض عند مخاطبة الموزاييك اللغوي هناك العبرية لم تتأصل بعد بين يدي المهاجرين المستوطنين الروس والآسيويين ورغم مرور أكثر من نصف قرن على انتقالهم لاسرائيل، ما زال يهود العالم العربي والاسلامي، يحنون للغات بلادهم الأم ويستخدمونها في حياتهم اليومية ولما كانت اللغة وعاء الثقافة بالمعنى الشامل، فقد يستدعي الاداء الاعلامي الفضائي الفاعل، أو الذي ينشد الفعالية، الاهتمام بملاحظة حيوية كهذه، أي التحدث الى المستوطنين بلغاتهم الأصلية الى جانب العبرية. واذا أحسن الخطاب العربي استخدام هذه الآلية، فإنه سوف يسهم في شد المهاجرين بعيدا عن (وهم الوحدة القومية) الذي تدعيه الصهيونية لكل يهود العالم. نفهم أن مدارسة اطلاق الفضائية العربية المقصودة، سوف تستهلك وقتا وجهدا. فنحن بصدد خطوة نوعية كبيرة لا يستهان بمقتضياتها الفنية والعلمية والمالية ولكن تطورات الصراع مع اسرائيل لا يسعها الانتظار. ليس لدى العرب ترف العمل البطئ لمواكبة أو موازنة الهجوم الاعلامي الصهيوني المكثف من داخل اسرائيل وخارجها. لهذا، فقد تكون البداية المناسبة، هي تعجيل بعض الفضائيات العربية الجادة بتخصيص ساعات للبث بالعبرية وببعض اللغات المتداولة داخل التجمع الصهيوني، ومبلغ علمنا أن الفضائية الفلسطينية تفعل ذلك، رغم محدودية امكاناتها ومواردها، وهذه تجربة يمكن تعميمها، الى أن يحين الوقت الذي تنضج فيه الفكرة العربية الاعلامية الأشمل في هذا المقام. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة