اتصل بي احد الاصدقاء المقيمين في الولايات المتحدة وقال لي: اما تريد استضافة الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الاب في احد برامجك؟ صمت قليلا صمت التفكير السريع وقبل ان ارد عليه قال لي: الامر ليس مكلفا كثيرا فقط ثلاثون الف دولار تدفعونها للرجل ويمكنني ترتيب الامر او الاتصال الاولي لك ، به ان شئت او تقومون انتم بالاتصال المباشر عليه، مباشرة وجدتني امام ظاهرة بارزة تنتشر الآن في الغرب بين السياسيين السابقين هي حرفة اعطاء المحاضرات والمشاركة في الندوات وكتابة المذكرات مقابل مبالغ مالية كبيرة تزيد او تقل حسب اهمية الشخص والدور الذي لعبه وقوة علاقاته والموضوعات التي يتناولها او يطرحها في محاضراته او ندواته او مقابلاته التلفزيونية. ويعتبر وزير الخارجية الامريكي الاسبق هنري كيسنجر هو ابرز المحترفين لهذه المهنة على نطاق واسع فالرجل علاوة على مذكراته التي صدرت في اربع مجلدات كبيرة الى كتبه العديدة الاخيرة التي من اشهرها تاريخ الدبلوماسية الى مقالاته التي تنشر بشكل منتظم في عشرات الصحف والمجلات العالمية الى المحاضرات والندوات والمقابلات التلفزيونية التي تلقى اهتماما كبيرا فانه يعمل مستشارا للعديد من رؤساء الدول والحكومات في انحاء مختلفة من العالم وهذا الامر يدر عليه عشرات الملايين من الدولارات سنويا منذ ان ترك منصبه كوزير لخارجية الولايات المتحدة مع نهاية فترة رئاسة الرئيس الامريكي الاسبق فورد عام ثمانية وسبعين ويعتبر كيسنجر اليهودي الاصل ابرز من خدم اسرائيل من خلال موقعه في الادارة الامريكية كما لعبت علاقته القوية باللوبي اليهودي العالمي دورا في استمرار دوره بعد ذلك علاوة على امكاناته الخاصة، وفي الوقت الذي آثر بعض من شغلوا نفس المنصب العودة الى وظائفهم الاصلية مثل اولبرايت التي عادت للتدريس في جامعة جورج تاون او وارن كريستوفر الذي عاد الى مكتب المحاماه الخاص به او جيمس بيكر الذي يعمل مستشارا للعديد من شركات النفط فان آخرين احترفوا حرفة كيسنجر وكان من ابرزهم رئيسة الوزراء البريطانية السابقة التي عرفت باسم المرأة الحديدية مارجريت تاتشر ووزير الخارجية الامريكي الحالي كولن باول الذي بلغت ثروته ملايين الدولارات جمعها بعد تقاعده من رئاسة اركان الجيش الامريكي عام 92 الى ان تولى الوزارة بداية العام الحالي من المحاضرات والمذكرات ورغم ان الرئيس السوفييتي السابق جورباتشوف حاول ان يسلك نفس الطريق وكانت محاضرته بعشرة الاف دولار فقط الا انه مع ذلك لم يجد اقبالا عليه فاضطر الى ان يظهر في اعلان للبيتزا غير أن ابرز هؤلاء الآن هو الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون التي كانت فترة رئاسته للولايات المتحدة والتي امتدت الى ثماني سنوات عبارة عن سلسلة من الفضائح كلف فيها الخزينة الامريكية عشرات الملايين من الدولارات للمداراة على فضائحه، ها هو الآن يجني عشرات الملايين حتى يظهر جانبا من الحقيقة من خلال المحاضرات والندوات التي يلقيها ومن خلال مذكراته التي اتفق في الشهر الماضي مع دار النشر العالمية «الفرد اي نوف» علي ان تنشرها مقابل 12 مليون دولار وهو اعلى رقم قياسي يحصل عليه سياسي غربي مقابل نشر مذكراته حيث حصلت زوجته هيلاري على 8 ملايين فقط فيما حصل البابا يوحنا بولس الثاني على 8.5 ملايين دولار. دار النشر اعلنت ان المذكرات سوف تكون «سردا مفصلا وصريحا لحياته مع تركيز اساسي على سنواته في البيت الابيض» مع التركيز طبعا على فضيحته مع مونيكا لوينسكي، وقد صاحب الاعلان عن توقيع عقد المذكرات التي يتوقع ان تنشر خلال عامين افتتاح كلينتون لمكتب شئون ما بعد الرئاسة في «باراك افينيو» في نيويورك حيث يقع مقر اشهر واكبر دور النشر في العالم. وتتلخص شئون مابعد الرئاسة رسميا في المحاضرات التي يلقيها كلينتون هنا وهناك والتي يتوقع ان يصل دخلها نهاية هذا العام الى ثلاثين مليون دولار وينتظر الى يصل المبلغ الى مئة وخمسين مليونا اذا لبى كلينتون الدعوات التي توجه اليه والتي وصلت الى خمس عشرة الف دعوة. وقد لعب كلينتون هذا الامر بحرفية بالغة وعرف كما يقولون من اين تؤكل الكتف فقد كان ريع اول ثلاث محاضرات القاها في بريطانيا لصالح الجمعيات اليهودية الخيرية كما ان دفاعه المستميت عن اسرائيل والحركة الصهيونية في محاضراته جعل الجمعيات الصهيونية الدولية ترتب له الدعوات وتروج له في كل المحافل علاوة طبعا على جاذبيته الخاصة. لقد درس كلينتون ـ دون شك ـ شخصية واسلوب وزير الخارجية الامريكي اليهودي الاسبق هنرى كيسنجر وطريقته في جمع الملايين بل عشرات الملايين وها هو الآن يسير على دربه يدعمه نفس اللوبي الذي دعم كيسنجر ليصبح الرجل احد ادوات اسرائيل وابرز من يدعموها حتى بعد خروجه من البيت الابيض؟! ـ كاتب واعلامي مصري