في البلد رجال من ملح شواطئها ومن عيونها الجارية في الوديان ومن سهولها وتلالها، سجلوا في ذاكرتها الغائبة والحاضرة مواقفهم، وبذلوا من اجلها ايامهم وحياتهم، وفي البلد من حملوا احلامها بين ضلوعهم وعاشوا المرارات والصعاب، خلصوا لها داخلها وخارجها، وكان البذل والعطاء الوطني الفطري ديدنهم، لم يذهبوا الى ساحاتها ورفعوا راياتها لأطماع ذاتية، لكنهم أوجدوا انفسهم بطواعية شفافة في ميادينها يقودهم الولاء الكبير كل شبر فيها. وفقيد البلاد حمودة بن علي واحد من هؤلاء البررة الذين فطروا وفطموا على وطنية عالية خالصة، تمسكوا بأحلامها دون عناء، ثابر كثيرا وكافح في مسيرة حياته من اجل ان يكون مثالا للرجل الوطني الذي يقدم نفسه مصقولا بالتأهيل من اجل خدمتها. في سجل الراحل الكثير من العطاء، والكثير من الارادة والاصرار، تعلم في زمن شح فيه العلم، وكرس وقت شبابه لخدمة أمن وطنه، وكل من رافقه في مسيرة التأهيل تلك اشار له بالبنان، تميز الراحل بمثابرة كبيرة ودؤوبة لانه ادرك مثل اقرانه ان الرجال الاشداء هم الذين يصنعون المحطات التاريخية المهمة، ولان الفقيد في مسيرة اعداد وتأهيل نفسه في العلوم العسكرية والامنية كان يشعر انه واحد من جنود الحلم الذي كانت ملامحه تتبلور امام عينيه، اخذته نخوة وطنيته الى طريق المهمات الصعبة، جد واجتهد بتصميم يشهد له الجميع، ليضع حياته كلها في خدمة وطنه. من مثل حمودة بن علي عدد من الرجال ساهموا بكل ما لديهم في ترسيخ قواعد البنيان، وضعوا انفسهم في خدمة القيادة واستلموا مهماتهم في المشروع الكبير، الصعب، المستحيل في ذلك الوقت.. يومها ما كان لهؤلاء الرجال اطماع سوى ان يمضوا باتجاه البناء والتأسيس، مدفوعين برغبة كبيرة في دفع اشرعة الحلم في الاتجاهات الصحيحة. من مثل حمودة بن علي سجلت لهم الملفات الرسمية نشاطاتهم وبامكان أي مطلع ان يعود الى الارشيف ليقلب بدايات بناء الوحدة الوطنية، لكن ما قبل الملفات الرسمية وما هو خارج عن الارشيف تبقى مساحات كبيرة غائبة عن الجمهور العام، لا يعرف تلك التضحيات وتلك المواقف الا المقربون. من مثل حمودة بن علي واغلب جيل التأسيس كان العمل في صمت سمتهم، حيث الرجال الاشداء لا يتحدثون عن افعالهم، انهم يعملون في صمت كبير. اولئك الرجال هم من كرسوا حياتهم للعمل الوطني الخالص لانهم من ماء عيونه، ومن ملح موجه ومن رائحة ترابه. ولان السنين تمر وهؤلاء الذين اسسوا واعطوا يكبرون ويشيخون ويرحلون وفيهم من تخطفه المنية وينتقلون الى بارئهم، فانهم يتركون لنا علامات مضيئة في مسيرة العطاء، سير ونماذج كفاح مخلص، التماعات كبيرة في فضاء التضحية، فاننا كأجيال معاصرة واجيال ستحتل مكانها بعيداً حين تحتاج لتاريخ هذه القامات الكبيرة كزاد معرفة وزاد خبرة وقدوات بارزة نتعلم منها الكثير.. من مثل الفقيد حمودة بن علي.. حياة عطاء طويلة نحتاج ان نكتبها ونسجلها حتى لا تضيع منا عطاءات ملح السواحل وعيون الصحراء. رحم الله حمودة بن علي