قياسا على تسارع ايقاع الاحداث المتلاحقة على صعيد العلاقة بين السودان والولايات المتحدة فان صفحة هذا العام قد لا تنطوي الا بعد ان تتوقف الحرب نهائيا في الجنوب السوداني على يد وساطة امريكية على طريق حل سلمي سياسي. خلال اسبوع واحد جرت التطورات التالية: ـ اختتم ممثل للجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس الامريكي زيارة للسودان اجرى خلالها حوارات مكثفة مع كل القادة السياسيين البارزين، شماليين وجنوبيين، على صعيدي الحكم والمعارضة. ـ عينت ادارة بوش البرلماني السابق جون انفورث مبعوثا خاصا الى السودان «لدفع جهود السلام هناك». ـ خصصت الادارة الامريكية معونة غذائية عاجلة الى السودان بقيمة 30 مليون دولار. ـ اعلن رئيس مجلس الامن الدولي ان المجلس قد يرفع العقوبات الدولية المفروضة على السودان عندما يجتمع المجلس للنظر في هذا الامر يوم 17 سبتمبر الجاري والمفترض ان هذا الاعلان يحظى بموافقة امريكية. ولكن رغم اهمية هذه التطورات ومدلولالتها الانقلابية فان الوقت لا يزال مبكرا للجزم بأن ادارة الرئيس بوش قد صممت اخيرا على تبني مشروع لوضع نهاية للحرب الدائرة في جنوب السودان وترتيب عملية تفاوضية باشراف امريكي لتحقيق اتفاق سياسي ودستوري بين شمال السودان وجنوبه. فمنذ ان تولى الرئيس بوش مقاليد السلطة رسميا قبل تسعة شهور ظهر ان هناك تيارين متناقضين داخل الولايات المتحدة تجاه ما يجري في السودان وكيفية معالجته. لقد تحدثت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» الامريكية هذا الاسبوع عن «مبادرة دبلوماسية امريكية» بهدف الوساطة بين الحكومة السودانية و «المتمردين» ـ على حد قول الصحيفة ـ، وربطت الصحيفة روايتها الاخبارية بالاكتشافات النفطية في السودان قائلة ان ذلك «ربما يجعل نجاح الوساطة ممكنا». ولمن يتابعون الشأن السوداني بصورة لصيقة فان ما اوردته الصحيفة الامريكية يعيد الى اذهانهم على الفور ذلك المشروع المفصل الذي وضعه «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» في واشنطن ونشر فور وصول بوش الى البيت الابيض. ان قيمة مشروع مركز الدراسات الامريكي الذي يدعو الى وقف الحرب في السودان نهائيا بتدخل امريكي يمهد لحل سلمي هي انه قد تم تمويله بواسطة تجمع شركات النفط الامريكية او ما يطلق عليه «النادي النفطي» ـ بما فيها شركة «تكساس كوربوريشن» التي يملكها آل بوش. وما ان اعلن هذا المشروع حتى تصدى ضده بشراسة داخل الكونجرس «لوبي» يطلق عليه «اليمين المسيحي» هو الذي يمثل الدعم الرئيسي للجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق عن طريق منظمات «الاغاثة» المسيحية الغربية، ويتبنى هذا اللوبي اجندة عسكرية تدعو الى استمرار الحرب في جنوب السودان كوسيلة لاضعاف الشمال العربي المسلم باستنزاف قواه الاقتصادية في المدى القريب وفصل الجنوب في المدى البعيد لانشاء دولة مسيحية. واذا افترضنا صحة الرواية الاخبارية التي نقلتها «لوس انجلوس تايمز» بما يفيد ان ادارة بوش قررت اخيرا تبني مشروع وقف الحرب واحلال السلام فان هذا يجب ان يعني انتصار اللوبي النفطي على لوبي «اليمين المسيحي». ويبقى السؤال: ما الذي يجعل اللوبي النفطي الامريكي مهتما بالمستقبل السياسي للسودان؟ الاجابة على هذا السؤال متضمنة في مشروع مركز الدراسات الامريكي الذي شارك في وضعه خمسون خبيرا امريكيا بتمويل من مجمع شركات النفط الامريكية، فهذه الشركات تعتزم الدخول في استثمارات نفطية بحجم كبير في السودان لكنها قبل ان تركب مخاطرة استثمارية ضخمة تريد ان تستوثق اولا من تحقيق حالة، استقرار سياسي كامل في السودان، واولى الخطوات لتحقيق هذا الاستقرار، كما يقول المشروع، هي وقف الحرب في الجنوب نهائيا. احمد عمرابي