ربما كانت شهور الصيف بالنسبة للبعض عطلة ممتدة ولكن الامريكيين العرب عكفوا جميعا على العمل على امتداد الولايات المتحدة وبينما كان الشرق الاوسط يشتعل وتقع مسئولية التعامل مع الازمة على كاهل المنظمات الامريكية العربية الكبرى طوال الوقت، فان الكثيرين من ناشطي الجالية لم تغب عنهم الحاجة الى الانغماس الكامل في التعامل مع انتخابات 2001 المقبلة. وهناك سباقان كبيران فقط في ولايتي فيرجينيا ونيوجيرسي ولكن هناك عشرات من السباقات المحتدمة على مستوى منصب العمدة وعضوية مجالس المدن في مدن امريكية تتعرض مصالح امريكية عربية فيها للخطر. وهذه الانتخابات تعد مهمة لسببين فهي على المستوى القومي ستساعد في اعداد الساحة للانتخابات التي سيشهدها العام المقبل والخاصة بالكونجرس، حيث سيحتدم التنافس على السيطرة على كل من مجلسي الشيوخ والنواب بالنسبة للحزبين الجمهوري والديمقراطي. وفي عام 1993 وهو العام الذي انهى فيه بيل كلينتون 12 عاما من سيطرة الجمهوريين على البيت الابيض قفز الجمهوريون عائدون الى السيطرة على منصبي الحاكم في فيرجينيا ونيوجيرسي وسيطروا على قاعات المدن في نيويورك ولوس انجلوس وغيرهما من المراكز الحضرية الاخرى كذلك وقد نظر الكثير من المراقبين الى هذه الانتصارات التي تحققت في عام 1993 باعتبارها مؤشرا الى الانتصار الكاسح الذي حققه الجمهوريون في عام 1994 والذي منح ذلك الحزب السيطرة على مجلسي الكونجرس. ومع فوز الديمقراطيين بالفعل بمنصب عمدة لوس انجلوس ومع تصدر مرشحيهم لسباقات نيويورك وفرجينيا ونيوجيرسي فانهم يعلقون الآمال على المحافظة على قوة الدفع هذه وعلى ان يحققوا فوزهم الكاسح في عام 2002. وبسبب التأثير النفسي الذي سيواكب انتصارات 2001 فان الحزبين كليهما سيركزان على حشد طاقة وموارد هائلة. في الوقت نفسه فان العام الحالي يمثل تحديا حقيقيا بالنسبة للامريكيين العرب يتعين عليهم التصدي له فمنذ كرست الجالية نفسها كمجموعة انتخابية معترف بها وتحظى بالاحترام في انتخابات 1996 و2000 على المستوى القومي، وهي تتعرض للضغوط للحفاظ على قوة الدفع ولمواصلة تعاظم قوتها الانتخابية والاعتراف بها على المستوى المحلي. وحتى في هذه المرحلة المبكرة فان المؤشرات تبدو واعدة تماما، في سباق الحاكمين يشارك الامريكيون العرب على مستويات لم يسبق لها مثيل. في فرجينيا على سبيل المثال، تم توظيف امريكيين عرب في مواقع مهمة في الحملتين الجمهورية والديمقراطية كليهما، وقد نجحت الجهود الامريكية العربية على المستوى الشعبي في الحياة السياسية في فرجينيا منذ وقت بعيد، فقبل خمسة عشر عاما استضاف الامريكيون العرب في تلك الولاية اجتماعات على مستوى المدن شارك فيها كبار المرشحين الذين قدموا ساعين للحصول على تأييد الجالية. ونيوجيرسي هي الساحة الكبيرة لاحداث هذا العام، فعلى الرغم من ان ابناء الجالية في هذه الولاية يتزايد عددهم الا انهم لم يسبق لهم ان لعبوا دورا انتخابيا كبيرا قط، وهم غالبا ما يفوقهم في العدد ابناء الجالية اليهودية الكبيرة في نيوجرسي ولطالما تعرضوا للاهمال من جانب المرشحين والاحزاب. وخلال ادارة حاكم نيوجيرسي الجمهوري الاخير حققت الجالية بعض الانجازات المتواضعة ولكن هذا العام مختلف تماما، ففي وقت مبكر بذل المرشح الجمهوري لمنصب الحاكم، بريت شوندلر، جهدا للتواصل مع الامريكيين العرب في نيوجيرسي واشراك الجالية المسلمة الباكستانية الكبيرة في حملته. وعندما هاجم منافس جمهوري مشاركة جماعة بارزة هي باكستانية مسلمة بالاساس في الجهود التي يبذلها شوندلر تصدى هذا الاخير لهذا الاتهام واكد مجددا على تأييده لهذه الجماعة. وقبل اشهر شن المرشح الديمقراطي جيم ماكجريفي هذا الهجوم نفسه على شوندلر، غير انه بعد تدخل الامريكيين العرب، اعتذر ماكجريفي عن زلة اللسان هذه ورحب علانية بكل من المجموعتين العربية الامريكية والمسلمة في حملته الانتخابية. والآن يقوم كل من المرشحين بجهود لم يسبق لها مثيل في تاريخ نيوجيرسي السياسي، وشيشهدان الفعاليات التي تقيمها الجالية ويزوران المساجد والكنائس التابعة للجالية وسيقومان برعاية «ليلة المرشحين» التي تحييها الجالية، كما اضافا مسئولي ارتباط من الامريكيين العرب الى حملتيهما بل ان ماكجريفي بعد زلة لسانه الاولية اشار الى انه اذا تم انتخابه فانه سيعمل على تشكيل لجنة اتصال امريكية عربية مع مكتب الحاكم. وعلى الجانب المتعلق بانتخابات العمد، فهناك سباقات مهمة كذلك بالنسبة للامريكيين العرب والامر الاكثر اهمية ساحته كليفلاند حيث تتصدر السباق العضوة السابقة في مجلس النواب ماري روز اوكار من اجل ان تشغل منصب عمدة هذه المدينة الواقعة في الغرب الاوسط وأوكار هي امريكية عربية برزت خلال السنوات الست عشرة التي امضتها في الكونجرس، وبعد ان فقد مقعدها في الكونجرس في انتخابات 1992 شنت حملة عودة الى الساحة السياسية وفازت بعضوية المجلس النيابي للولاية في عام 2000. ويحظى ثلاثة من الامريكيين العرب كذلك بالتأييد لشغل منصب العمدة في ولاية كونكتيكيوت ويتصدر هذه القائمة جوزيف غانم الذي يخوض السباق لاعادة انتخابه لشغل منصب العمدة في بريدجيورت التي تعد اكبر مدينة في الولايات. ويخوض امريكي عربي السباق لشغل منصب عمدة مدينة ديربورن في ولاية ميتشيجان، وهي المدينة الامريكية التي تضم اعلى نسبة من الامريكيين العرب وعلى قائمة الانتخابات في المدينة نفسها تسعة من الامريكيين العرب يخوضون السباق الانتخابي لعضوية مجلس المدينة وتبرز ضمن هذه المجموعة سوزان ساريني التي تخوض سباق الانتخاب من اجل الفترة الرابعة بالنسبة لها، وهناك كذلك طارق سلماس وهو ملاكم سابق له شعبية كبيرة في وزن خفيف الوسط وهو يقوم بأول محاولة له لشغل منصب انتخابي وفي ديربورن هايتس القريبة تتصدر المرشحة جمانة جوده قائمة الامريكيين العرب الذين يسعون لشغل هذا المنصب. وهؤلاء ليسوا الا بعضا من اكثر من اربعين امريكيا عربيا يخوضون الانتخابات هذا العام وبينما يشارك الامريكيون العرب في السباق الانتخابي على منصب العمدة في مدن وسباقات انتخابية اخرى فان احدى ابرز قصص النجاح تتوالى حصولها في نيويورك فبعد تقدم اولي في حشد الامريكيين العرب في نيويورك في انتخابات منتصف الثمانينيات تعرضت الجالية لنكسات حقيقية في التسعينيات حيث احجم المرشحون عن التعامل مع الامريكيين العرب خوفا حسبما يقولون، من اغضاب النشطاء المتطرفين من اليهود، وبينما ذكر القادة اليهود المنتمون الى التيار الرئيسي علنا انهم لايستطيعون تأييد عزل الامريكيين العرب، فان عددا اكثر مما ينبغي من المرشحين والعاملين في المجال السياسي سمحوا للمتحدثين المتطرفين من اليهود بان يملوا عليهم سياساتهم. وفي هذا العام كتبت مقالا افتتاحيا في احدى صحف نيويورك اليومية البارزة ألقيت فيه الضوء على هذه المشكلة وتحديت المرشحين ان يظهروا نزعتهم القيادية وان يتصدوا لها واشرت الى ان الامريكيين العرب في نيويورك البالغ عددهم 175 الف شخص لهم تاريخ يمتد قرنا كاملا في المدينة، وانهم كرجال اعمال وكمواطنين قاموا بمساهمات حقيقية تجاه المجتمع الاوسع نطاقا. انني اكتب هذا المقال خلال عودتي من حضور ليلة الجالية الامريكية العربية في بروكلين ذلك القطاع من نيويورك الذي يضم اكبر جالية امريكية عربية، وقد شارك مئات من الامريكيين العرب في هذه المناسبة وحضرها اكثر من 20 مرشحا، وناشدوا الامريكيين العرب الاقتراع لصالحهم. وقد تحدث اثنان من المرشحين لمنصب العمد وتحدث عدد من كبار المؤيدين للمرشحين الاكثر بروزا وتحدث ايضا المرشحون لرئاسة حي بروكلين وعدد من المرشحين لعضوية مجلس المدينة، وشددوا بالاجماع على معارضتهم للتمييز ضد الامريكيين العرب وتعهدوا جميعا بتقديم تبرعات للخدمات الاجتماعية للامريكيين العرب، واكد عدد منهم التزامهم بانشاء مجلس استشاري امريكي عربي في حكومة المدينة. وكانت لحظة يغمرها الفخار بالنسبة للامريكيين العرب ليس في نيويورك وحدها وانما على المستوى القومي كذلك فقد كانت نيويورك هي المدينة الاخيرة في الولايات المتحدة التي واصل العرب الامريكيون التعرض فيها للعزل والفصل وكما اشار احد اعضاء مجلس بروكلين: «اذا اتبعتم شعار المعهد الامريكي العربي القائل: نظموا سجلوا انتخبوا فان بمقدوركم ان تصبحوا صوتا قويا في هذه المدينة». ربما يشكل العام الحالي نقطة انعطاف في نيويورك بينما يقدم دليلا آخر على ان الصوت الامريكي العربي قد اصبح معلما ثابتا في الحياة السياسية الامريكية. ـ رئيس المعهد العربي الامريكي ـ بواشنطن