لم أكن أحسب ان جلساتي الكثيرة مع الشيبة خميس سوف تفرض نفسها عليّ وتصبح مادة أطرحها على القراء، كما افعل الآن. وللعلم فإن الشيبة خميس عميد اسرة صديقة بحكم انه الأكبر سناً في العائلة، وقد عاصر فيما مضى احداثاً ومشاهد لاتزال حية في ذاكرته رغم ما يحمله على كاهله من عقود تربو على أربعة أخماس القرن الماضي بالطبع. وللإنصاف فإن آراء شيبتنا العزيز لا تزال مقبولة أو انها ستظل دائما مقبولة رغم انها تنتسب لزمن مضى ولا اظنه سيعود يوماً، فالايام التي ترحل من أعمارنا لا يمكن استردادها او استعادة شريطها كما نفعل مع أشرطة الفيديو التي لم يعرفها اهلنا زمان. وما يحكى عن شيبتنا انه ذهب ذات مرة الى محل تجاري فأخذ يحدث البائع بصيغة الانثى ظناً منه ان الذي امامه ليس سوى امرأة وعبثاً حاول مرافقه اقناعه ان البائع رجل، كيف ولا شارب ولا لحية، والشعر الملون يتمايل مع كل حركة من رأسه، والقميص مزركش بكل الون الطبيعة، والاظافر طويلة كأظافر النساء ويتوسط الاصابع خاتم ماسي ذو فص كبير، اذن فأنى لهذا الشايب الذي نظره «على قده» وخبرته عن الرجال شيء آخر يقتنع بأن الذي امامه رجل وهو غشيم بما وصل اليه حال البعض وغير مدرك لما صنع به العصر، إذن فللشيبه عذره فيما ذهب اليه. ولا أنكر انه استغرب كثيراً وراح يفغر فاه وانا اسرد عليه بعض الحكايات واقص له ما يبدر من البعض فيقطب حاجبيه حيناً ويستغفر الله ويعوذ به من شر هذا العصر ـ وما ابتلى به بني البشر. عندما اخبرته عما يفعله بعض الشباب في المراكز التجارية وغيرها وازعاجهم لبنات خلق الله والمعاكسة «عيني عينك»، وما يسببونه من اساءة لانفسهم وللفتيات في ذات الوقت. رغم ما تبذله الجهات الأمنية لردع الطائشين ونشر صورهم في الصحف تحت عنوان ضبط معاكس، ورغم ذلك البعض سائر في هذا الدرب دون ادنى مراعاة لسمعته ومشاعر اسرته التي بلا شك تتأذى وتتأثر من «فعايل» وتصرفات احد افرادها. غلت دماؤه في عروقه وقال: «الاصيل المهذب المتربي ما يسوي ها الاشياء» وتساءل باستغراب ما الذي غيّر الناس وبدل اخلاقياتهم.. الله على ايام زمان ـ حين كان الشاب يخشى على بنت الحي أو الفريج كخشيته على أخته. ولكن أطرف ما في الموضوع عندما حكيت له حكاية «ملوك الجمال» التي لم يفهمها في البداية فأخبرته انها مسابقة تقام خلال حفلات فخمة في جو من المهابة والجمال الآسر ـ يدعى اليها طبقة من النخبة تسمى الطبقة المخملية أو الحريرية أو اي شيء وان كانت هذه الحفلات تقتصر على الفتيات الجميلات، اما اليوم فتقام حفلات مماثلة للرجال يتنافسون لانتزاع الالقاب الجمالية. هزّ الشيبة خميس رأسه دلالة عدم وضوح الرؤية لديه فأعلمته ان مجموعة من الشباب يرون انفسهم يتسمون بالوسامة فيدخلون هذه المسابقات يستعرضون خلال فقرات امام جمهور من النساء والرجال في مشية طاووسية أو ديكية ليس مهماً معرفة اسم المشية بالتحديد، يتنافسون على القوام الممشوق والقد المياس الذي يفترض ان يكون كغصن البان في ملابس البحر مرة وأخرى في ملابس السهرة للفوز في النهاية بلقب الجمال وسط تصفيق وتهليل الحضور. انتفض العم خميس وقفز من مكانه قائلا: ولكن كيف يسمحون لمثل هذه الهراءات والسخافات ان تتم، أين الرجال، وين عنهم الحكومة؟.. هذا عيب.. عيب.. هدأته وطلبت منه السكون فما ذكرت لايحدث في بلادنا وانما في دول اخرى غير عربية. صمت وراح يتمتم بكلمات وعبارات لم اسمعها جيداً ـ لكني استنبطت انه يلعن تلك الحفلات ويبكي حال الشباب، التي راحت الكثير من الوسائل الاعلامية والجهات الربحية الى اللهو والعبث بأفكاره وإلهائه عن قضايا أمته ليصرف النظر عنها الى ما هو تافه وسخيف. وكأني استخسرت عليه لحظات الهدوء وآليت على نفسي سبر الاغوار وازعاج هالشيبة.. فقلت له.. نعم يا عم خميس لا توجد لدينا مثل هذه الحفلات ولكن شباب البلاد ليسوا بعيدين كثيراً، والصورة التي ترى عليها الشاب العربي موجودة لدينا ايضاً، وبعد سنوات ترى كل غريب اليوم وقد اصبح عادياً ومألوفاً خاصة مع «العولمة» التي نحن مقبلون عليها. اعترض على ما قلت قائلا: ولكن شبابنا يجدون غضاضة كبيرة في التشبه بالنساء، وملامح الرجولة عندهم تكمن في الصلابة والشدة والمنكبين العريضين والشوارب الكثيفة التي يقف عليها الصقر داعياً الله ان يقبض اجله قبل ان يرى ذلك اليوم. أجبته: نعم، ولكن هذا لا يمنع ظهور من شذ عن هذا المنحى فبرزت بين شبابنا قصات الشعر الغريبة وشاعت التسريحات العجيبة، وهناك من أطال شعره فيسترسله تارة ويجدل خصلاته وقد جملها بوردة وقد يرفعه في شكل ذيل حصان أو أرنب «لا يهم»، ولا ادري ما حكاية الحيوانات التي يتردد اسمها كثيراً اليوم ويأتي الموضوع على ذكر سيرتها فتفرض نفسها على هذه الاسطر التي لا تعنيهم بالضرورة. والغريب في الامر انك ان ابديت لاحدهم استياء من طول شعره غير اللائق ـ اجابك بملء فيه: ان العرب قديما في الجاهلية وفي صدر الاسلام ـ وبعده كان الرجال في البادية يطيلون شعرهم، مؤكدا لك ان طول الشعر انما هو عز الرجولة. وكم جميل ان يتحلى جيل اليوم بشيء مما كان يتصف به الرجال قديماً، ولكن ليس التشبه بهم حسبما تقتضيه الموضة فيأتي الشعر طويلا تتقدمه غرة مدرجة بها من الألوان «والهاي لايت» و«الميش» ما لا تجدها عند النساء والفتيات. ومع الشعر الطويل الذي يحظى بعناية فائقة تظهر انواع الحلق تجمل آذان بعض الشباب كما انهم يتحلون ببعض الاساور والسلاسل. ويبدو ان السحر قد انقلب على الساحر فما ان انتهيت حتى عاجل بالحديث عن كثير من الاوضاع والاحوال كانت المرأة في معظمها لب الحديث، فتطرق الى اتكالية المرأة اليوم في تدبير شئون بيتها ورعاية اسرتها على الآخرين بحجة العمل وغيره، وعاب كثيراً على المحطات التلفزيونية ومذيعاتها اللوائي يظهرن اكثر مما يخفين وسطحية الكثير مما يقدمنه. ووددت لو سألته حينها وما ادراك بالمذيعات التلفزيونيات وحسب علمي ان جهاز «الراديو» الاثري الذي تمتلكه هو رفيقك ولا علم لي انك توجهت الى التلفاز.. لكني فضلت السكوت فيما راح هو يسترسل في موجة انتقاد عنيفة لكل ما حوله قائلا: والشباب اين هم عن البحر؟ لماذا الاعتماد على الغير في صيد السمك؟ أليس عيبا ان نترك بحرنا المليء بالخير ـ ونحن ابناؤه ـ لآخرين ولجوه وتعلموا فنون الصيد بدافع الحاجة الى العمل ليس حباً في البحر؟ كما ينبغي ان نكون مثل الآباء والاجداد، الذين برحيلهم اندثرت العديد من المهن والحرف او انها انتقلت الى غيرنا بملء ارادتنا حين جنحنا الى الراحة وانزوينا نحو المكاتب وسهولة العمل المكتبي. وماذا عن طفل اليوم؟ ماذا يعرف عن آبائه وبلاده؟ هل هناك اكثر من بعض الادوات الفخارية او تلك المصنوعة من سعف النخيل او بعض الاهازيج التي ترد ذكرها في بعض المناسبات الوطنية؟ فهل الإمارات مجرد سرود وجفير وحصير ومكبة ومكشة ومهفة؟ استفزاز واستنكار للكثير من جوانب حياتنا اليومية التي قد نراها عادية وطبيعية خلطت المشاعر عند الشيبة خميس وأفرزت تلك الجلسة الهادئة بركاناً هائجاً في أعماق هذا المسن وألقت بحممها على ما حولها.