لماذا نحن دائماً خائفون من بكرة؟ لماذا المستقبل يشغلنا أكثر من حاضرنا؟ هل هي عدم القناعة؟ أم انه ضعف الإيمان؟ أم انه عدم الأمان الذي نعيشه؟ أسئلة حائرة كما تشغل بالي وبالك كذلك تشغل الكثيرين، لكن سؤالاً يظل يراوح مكانه منذ أمد بعيد.. بكرة تعني المستقبل، والمستقبل في علم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، أي انه أمر مرتبط بالمجهول وليس المأمول، فلماذا نتعب ونرهق أنفسنا به؟ والغريب ان الخوف من بكرة يتمثل دائماً عندنا في أمرين: ماذا سنكسب غداً؟ وهل تستمر حياتنا حتى الغد؟ وبمجرد طرح هذين السؤالين نجد أنفسنا قد دخلنا حقلاً للألغام، وبنينا لأنفسنا سياجاً من الأوهام، وحولنا حياتنا إلى أضغاث أحلام، فالكسب مرتبط بالرزق وهو من عند الله، وأمره محسوم منذ الأزل، أي عندما كان الانسان نطفة في رحم أمه، فلا علم ينفع ولا جهد يشفع ولا نفاق يدفع بك للصفوف الأمامية، ولن تنال إلا ما كتبه الله لك، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ورزقكم في السماء وما توعدون، لكن ذلك لا يعني انها دعوة للتبطل أو التواكل وعدم العمل بحجة ان رزقي سيصلني، فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، ثم يأتي سؤالنا الآخر هل نحيا حتى الغد أم نكون من الراحلين والمغادرين للدنيا؟ وهو سؤال لا نملك إجابته إذ لا تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت؟ وهنا المسألة مرتبطة بالزمان والمكان معاً، أي متى وأين؟ ومسألة الموت كقيام الساعة لا يعلم أمرها غير الله سبحانه وتعالى. إذن طالما الأمر كذلك، فلماذا نشقى في حياتنا بكثرة السؤال؟ ولماذا نتكدر بسبب سوء الأحوال؟ ولماذا نحزن لنقص الأموال؟ والإنسان لو يدرك ما يخبئه له الغد من خير وشر لترك السؤال، لأننا لو أدركنا الغيب ربما اخترنا الواقع بكل عِلاته ومشكلاته ونجاحاته وإخفاقاته، ولكن مشكلتنا الأساسية اننا لا ننظر إلا تحت أقدامنا، فنحن لا ندرك احياناً نعم الله علينا، وفي أحيان كثيرة لا ندري ماذا نريد في حياتنا؟ المال، الصحة، الجاه، البنون، وأي هذه الأشياء تكون مصدر السعادة لنا؟ وإذا حصلنا على معظم ما نريد هل نكتفي أم نطلب المزيد؟ والغريب ان أحداً لم يسأل نفسه يوماً لماذا منحني الله نعمة الصحة وحرم صاحب المال وفيرها؟ وهل ماله سوف يساعده على استرداد صحته؟ وإذا منحك الله الجاه والسلطان لا تسخره لمصلحة الآخرين، بل تعيث في الأرض فساداً وتتحكم في البلاد والعباد بقبضة من حديد، وعندما يزول السلطان لا تجد حتى الأمان الذي ينجيك من غدر الزمان. انها قضية شائكة، ومعادلة صعبة، وما لم يتصالح الانسان مع نفسه أولاً ويشعر بالاطمئنان الداخلي الذي لا يتأتى إلا بالإيمان العميق، وما لم يقنع الانسان ان رزقه وأجله محددان قبل لحظة ميلاده، وان القناعة بما قسم الله تبدد كل سحب الخوف وتنسف كل تلال الشك، فلن يجد في حياته متسعاً لراحة نفسية وقدرة على التكيف وارادة للاستمرار وهكذا الحياة ستمضي بنا بين قلق وخوف وتفكير في الغد إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. آخر نقطة العاقل لا يستقبل النعمة ببطر ولا يودعها بجزع.