انهزم الكيان الصهيوني وحليفه الامريكي في دوربان امام مد الامم التي تلاقى جمعها الممثل لمنظماتها ومؤسساتها غير الرسمية على اعادة تأكيد «ان الصهيونية شكل من اشكال العنصرية، ثم انسحب الكيان الصهيوني وحليفه الامريكي من المؤتمر عندما سقط مشروع الترويج الذي يسل الصهيونية من العنصرية كما تسل الشعرة من العجين، ولا يدين الكيان الصهيوني وممارساته العنصرية، وكان سقوط ذلك المشروع امام اصرار الدول العربية والاسلامية القشة التي قصمت ظهر البعير الامريكي. وعلى الرغم من ان الدول العربية تراجعت تراجعاً غير مقبول عن تصميمها الاول على النص في بيان المؤتمر الثالث لمكافحة العنصرية على وصف الصهيونية بالعنصرية واكتفت بالعمل على ادانة ممارسات الكيان الصهيوني العنصرية، الا انها صمدت في وجه الضغوط الغربية الرامية الى سحب هذا الوصف ايضاً وتصدت للمنطق الصهيوني الكريه وللعنجهية الامريكية البغيضة التي حشرت نفسها في دائرة العنصرية وانتهاك حقوق الانسان، والتهرب من حقيقة ممارساتها للرق ولنوع من التمييز العنصري ضد الافارقة السود، والهرب ايضاً من الاعتراف بهذه الجريمة والاعتذار عنها ودفع التعويضات لمن يستحقونها من الافارقة بدلاً من وقوفها الى جانب القتل والتدمير الصهيونيين للبشر ولكل مقومات الحياة في فلسطين المحتلة، ذاك الذي يمارسه الكيان الصهيوني يومياً، ولا من تأييد عنصرية بغيضة تنص عليها القوانين في مجالات التربية والتعليم، والصحة، والخدمات، والسكن، والاقامة وحق العودة الى الوطن المكفول للفلسطينيين بقرار مجلس الامن رقم 194 لعام 1948 بل انحدر اولئك الى كلام وموقف اقل ما يقال فيها انها تجافي الحقيقة، وتؤيد العدوان العنصري وتسوغ اجرامه، وتتنافى مع حقوق الانسان التي تتخذها الولايات المتحدة الامريكية سلعة سياسية توظفها لخدمة مصالحها. والولايات المتحدة بفعلها ذاك توجه احتقاراً لشعوب وحقوقها، ولحياة مواطنين ولكفاحهم المشروع ضد الاحتلال ودفاعهم المشروع ايضاً عن النفس والممتلكات والمقدسات والهوية والحضارة، كما توجه احتقاراً غير مسبوق لشرائح من الشعب الامريكي ذاته جاء الى مؤتمر عالمي، ومن حقه على هذا المؤتمر ان ينصفه وان يرفع صوته عالياً مطالباً بحقوقه. استثمار الفرصة ويجيء انسحاب الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني على هذه الارضية تأكيداً على عنصريتهما من جهة وعلى غطرستهما وتعاليهما على الاخرين، دولاً وشعوباً، من جهة اخرى. واذا اضفنا الى هذا الموقف ما رافقه من تصريحات صدرت عن ناطقين رسميين امريكيين، وعن مسئولين صهاينة على رأسهم ارييل شارون وشمعون بيريز، ندرك كم هي متأصلة مشاعر الكراهية للآخرين وكم هي مسيطرة نزعة القوة الغاشمة والتفوق الفاشي، وسياسة فرض الامر الواقع بكل الوسائل. لقد كانت وقفة المشاركين في دوربان وقفة ايجابية لقسم كبير من الرأي العام مع الشعب الفلسطيني، وصيحة اطلقت في فضاء عالمي واسع ضد الممارسات الاجرامية للصهيونية العنصرية وحليفها الامريكي، ودليلا ساطعا على بداية تحول في العمل العربي والاسلامي، لاسيما على صعيد المنظمات غير الرسمية، لجهة الاقناع والفاعلية والتأثير واستقطاب الاخرين حول موقف واضح من قضية عادلة بابعادها القومية والانسانية. لقد قال الصهاينة بتفجع: «ان العرب خطفوا مؤتمر دوربان منا» واتهموا اعلامهم بالتقصير، واتهموا العرب والمسلمين بشتى التهم السيئة على عادتهم وكانوا قد عقدوا ندوات مكثفة في مناطق من العالم منها ما ركز على «عنصرية» العرب و«عنصرية الاسلام» ذاته؟!! واذا كان في هذا من الوقاحة النادرة ما فيه فانه يشير بوضوح الى اخفاق صهيوني ـ امريكي متعدد الوجوه، وافلاس اخلاقي وسياسي وبداية ازمة عميقة في المشروع الصهيوني من الناحية الفكرية والروحية والسياسية. وعلينا ان نستثمر هذه الفرصة خير استثمار وان نركز بالحجج والادلة والوثائق على الطبيعة العنصرية للصهيونية، وليس على ممارسات الكيان الصهيوني العنصرية فقط. ولا تنقصنا المعطيات التي تثبت ذلك بل على العكس نجد انفسنا مقصرين في توظيف ما لدينا من وقائع ومعطيات ووثائق وممارسات لتأكيد هذه الطبيعة العنصرية المتجلية في امتداد واسع من الاعتقاد التلمودي الى التربية المدرسية والاجتماعية والممارسة العسكرية والسياسية والاعلامية .. الى ما يفوح من الفكر والكتابة اليهودية بانواعها من تعصب مقيت واستعلاء كريه، وتجارة بعذاب الآخرين وتشويه لتاريخ البشر ووقائع التاريخ، وسرقة للمعاناة الانسانية ذاتها وتحويلها الى سلع سياسية يهودية لابتزاز الآخرين او لنهب اموالهم، كما هو شأن الهولوكوست (الشواة او المحرقة) التي تحولت الى مأساة يهودية يتوجب على العرب ان يدفعوا ثمنها وحدهم في حين انها مأساة الذين كانوا ضحاياها جميعا من كل الامم التي عانت من الهولوكوست، ومأساة البشرية كلها المكتوبة بالنزوع العنصري والممارسة الفاشية التي جسدتها النازية والحركة الصهيونية حين شاركت النازية ببعض جرائمها خدمة للمشروع الصهيوني العنصري الذي بدأ التخطيط له وتنفيذ مراحله قبل ولادة الحركة النازية بكثير منذ مؤتمر بال عام 1898 واطلاق وعد بلفور المشؤوم 1917. ان ممارسات الوحش العنصري ضد الفلسطينيين المستمرة وفق منهجية ابادة جماعية لشعب منذ اكثر من خمسين سنة، وهي مدة تزيد على خمسة عشر مثلا حتى الآن قياسا لزمن معاناة البشر على يدي النازية تدعونا الى العمل الجاد، والمنظم والسريع بكل الوسائل وعلى اسس علمية وعملية ثابتة، الى اجراء محاكمة للحركة الصهيونية بوصفها عنصرية اسوأ من النازية محاكمة لها على ما ارتكبته وارتكبه رموزها من جرائم بحق الشعب الفلسطيني ابناء الامة العربية، بوصفها تمثل ابشع عدوان واعتى انواع الاستعمار الاستيطاني واكثرها همجية. من اجل هذا ندعو كل الجهات المعنية والادباء والكتاب والاعلاميين والمثقفين الى تقديم المساعدة في اعداد ملفات هذه المحاكمة والاضافة اليها والتعاون معنا في مجال الاعداد الجيد لها والانجاز السريع لكل ما تتطلبه، حتى نتابع نضالا عادلا وقضية قصرنا كثيرا في مجال من اهم مجالات خدمتها. والملفات التي تحتاج الى تعاون القادرين هي: أ ـ ملف المذابح والمجازر التي ارتكبها العدو الصهيوني ضد الفلسطينيين واللبنانيين وبقية ابناء الامة العربية، في اثناء احتلاله واجتياحه وعدوانه المستمر. ب ـ ملف القرى والمدن العربية المدمرة. ت ـ ملف الاسرى والمعتقلين ومعسكرات الاعتقال والتعذيب. ث ـ ملف القضية الفلسطينية في الامم المتحدة ومجلس الامن: القرارات التي لم تنفذ، ومشاريع القرارات المحبطة بالفيتو. د ـ ملف الصهيونية وعلاقتها بالنازية. ر ـ ملف الطبيعة العنصرية الصهيونية من واقع التوراة والفكر اليهودي. و ـ المحرقة «الهولوكوست»: حقائق ووقائع وأرقام. ح ـ تدمير البيئة الفلسطينية: البيوت المدمرة والمزارع المجرفة والاشجار المقتلعة وتشريد السكان والتضييق عليهم. ط ـ ملف اللاجئين: حق العودة. ي ـ ملف القدس والاماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية، ومعاملة السكان المقدسيين. اننا نشعر اليوم بشيء من الارتياح لنجاح بعض الجهود ولهزيمة الصهيونية وحليفها الأمريكي في محفل دولي كبير بحجم المؤتمر الثالث لمكافحة الصهيونية في دوربان «جنوب افريقيا»، ولكن علينا ان نستشعر الخطر القادم في ردة الفعل الصهيو ـ امريكية المتوقعة، التي يمكن ان تشارك فيها كندا ودول غربية او اخرى موالية للغرب بشكل من الاشكال. مهام ملحة واذا كان تحرك ارييل شارون باتجاه موسكو يحمل دلالة ما.. فان التصريحات المرافقة له تطلق اشارات غير مشجعة، وقد لا ينحصر تأثيرها في اسئلة حول مستقبل التعاون الروسي ـ العربي والاسلامي في مجالات عدة ولكن في الضغط الذي قد تمارسه روسيا على من ارتبط بعلاقات تاريخية معها من العرب والمسلمين، وفي تسهيل استقدام مليون مستعمر يهودي الى فلسطين المحتلة من روسيا ودول الاتحاد الروسي، وهو ما يعمل عليه شارون في اطار مشروعه لاستكمال استقدام يهود العالم الى فلسطين حتى عام 2020. صحيح ان الاوهام كبيرة ولكن دروس الماضي علمتنا ان ما هو في اطار الاوهام والاساطير والاحتمالات البعيدة مما ينطوي عليه التخطيط الصهيوني ـ الاستعماري يغدو حقائق حين نسهم فيه نحن بعدم الاهتمام به وعدم التصدي له وأخذه على محمل الاحتمالات البعيدة وعدم النظر اليه بوصفه الخطر والتهديد الجديين. واذا كانت تجمعات اليهود في روسيا والاتحاد الذي تشكل ثقله الرئيس، ستعمل على هذا البرنامج، فان كل التجمعات اليهودية والامكانيات الصهيونية والامريكية سوف تسخر لخدمة برامج العدوان والاستيطان والارهاب ومعاداة حق العرب المشروع في العيش في اوطانهم بأمان، وفي الدفاع عن انفسهم واستعادة ارضهم المحتلة ووطنهم المسروق. من أجل هذا نجد ان الامبريالية الامريكية المجروحة والصهيونية العالمية المهزومة والمدانة بعنصريتها الأسوأ من النازية، سوف تقومان بجهد كبير لتعويض الهزيمة التي منيتا بها في دوربان.. وهما لا تتورعان عن القيام بأي شكل من اشكال العدوان والتزييف والتشويه والضغط والارهاب. وكل هذا يدعونا الى العمل من اجل: ـ تعميق التضامن العربي واستعادته على أسس متينة من الثقة والمسئولية. ـ توسيع دائرة الاصدقاء في العالم على صعيد العمل مع المؤسسات الدولية غير الرسمية والمؤسسات الدولية الاخرى، وعلى صعيد العمل الرسمي. ـ السعي لامتلاك قوة بالمعنى الشامل والمتكامل للقوة، لنحمي انفسنا وندافع عن وجودنا وهذا يحتاج الى اعتماد على الذات وتفعيل للامكانيات العلمية والتقنية والمادية من جهة والى اقامة شبكة من العلاقات والمصالح مع القادرين على مدنا بتقنية متقدمة وسلاح وتجهيزات مدنية وعسكرية ضرورية للتنمية والمواجهة واستحقاقات التقدم والتعامل مع معطيات العصر وتحدياته. ـ العودة الى فتح دائرة الخيار العربي على الاحتمالات والتطورات بما في ذلك احتمال المواجهة المسلحة مع العدو، الذي قد يفرض علينا حربا بنزوعه العدواني ومشروعه الاستيطاني قبل ان نفرض عليه معركة تحرير ارضنا المحتلة وشعبنا الموضوع في قفص الاستنزاف ومعسكر الاعتقال الكبير. وكل ما أشرت اليه يحتاج من الرسميين العرب وسواهم من المعنيين بشأن الامة وبشأن المقاومة والانتفاضة والشخصية القومية والمقدسات والكرامة ومعركة المصير.. يحتاج الى مراجعة عميقة للذات والمستقرات النظرية او العملية، التي فرضتها عقود الجفاف والنكوص القوميين، لا سيما منذ كامب ديفيد 1978 حتى الآن، لكي تشعل فتيل انتفاضة روحية في اعماق كل فرد، وكل قطر، وكل «عرش» رسمي في وطن العرب الكبير. فنغير ما ينبغي تغييره وعلى رأس ذلك الخطاب والسلوك والعلاقات، واستراتيجية العمل العربي المشترك وخيار «السلام الاستراتيجي» لأننا قد نعرض للذبح ولا نكون مستعدين لرفع السكين عن عنقنا ونحن نستنزف عمليا منذ عقود تحت مظلة العطالة حيث نعيش احلام السلام الذي لا نحصل عليه، والحرب التي لا نستعد لها، والاستنزاف القاتل الذي يفتك بأبنائنا وارادتنا وطاقتنا والتهالك الكلامي والشعاراتي بين منطق مسئول وعمل لايمت الى ذلك المنطق بصلة. اننا مدعوون بعد هزيمة العدو وحليفه في دوربان الى عمل متميز ومتابعة معركة متميزة الى عمل ليس هو الهجوم المطلوب وإنما الاستعداد للتصدي الى هجوم عنصري صهيوني معزز بقوة دولة متغطرسة لم تعد ترى العالم الا من زاوية صهيونية. ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب