كتب علينا أن نخترع السكينة ونحن نغلي بالنميمة.. كتب علينا أن نفتش عن ينابيع المياه وليس حولنا سوى الجفاف والعطش.. كتب علينا أن ننفخ في التفاؤل والإحباط يحاصرنا من كل جانب.. كتب علينا أن نبشر بالاطمئنان والقلق يفترسنا ليل نهار.. كتب علينا أن نحلم بالجنة ونحن في أعماق أعماق جهنم.. كتب علينا أن نبشر بالحب وليس هناك سوى أشواك وأسلاك الكراهية. إن الحب هو التعويض العادل لكل القبح الذي يتفجر به العالم.. هو (بعض من تخيلنا لو لم نجده على الأرض لاخترعناه).. هو ضرورة من أجل أن تتفتح الوردة وتختفي الرصاصة.. من أجل أن يطول عمر القبيلة ويقصف عمر القنبلة.. من أجل أن ينتصر صوت الشعر على صوت المسدس كاتم الصوت. ولا مفر من الاعتراف بما كتبه (رجاء النقاش) مؤخرا في (الأهرام) أن الحب لا يقدر على الحياة في هذا الزمن الصعب.. لا يقدر على الوقوف في وجه العواصف التي ينتظرها غالبية العشاق في أيامنا، فما الذي يمكن أن تفعله الزهرة في مواجهة الرياح العاتية سوى تناثر أوراقها في الطرقات لتدوسها الأقدام.. لا مفر من الاعتراف بأن الحب يعاني من أزمات حادة في التنفس وتصلب الشرايين وتمزق في الأحبال الصوتية.. وأنه على وشك أن يكتب وصيته وهو في غرفة (الرعاية المركزة).. ولكن.. ما الذي سيحدث لو أعلنوا وفاة الحب على كوكبنا الذي نعيش فيه؟.. ما الذي سيحدث لو أعلنوا أن كوكب الأرض أصبح خاليا من الحب؟ لا جدال أنه لو حدث ذلك فلن يكون هناك كوكب قابل للسكنى.. سيكون الخراب قادما على عجل.. سينقرض من الدنيا كل ما هو مؤنث.. المرأة.. العائلة.. الطفولة.. الأمومة.. القصيدة.. القبلة.. الزهرة.. الرحمة.. الشمس.. الغابة.. الأغنية.. ستصبح الأرض كوكبا منطفئا.. وأرضا مالحة.. وبيئة ملوثة.. ومستودعا كبيرا لتخزين النفايات. لو فقدنا الحب فسنفقد إيماننا بالمرأة.. وعندما نفقد إيماننا بالمرأة سنفقد ايماننا بأنفسنا.. ستتحول الحياة من معادلة انسانية الى معادلة حسابية.. ومن تقرير عاطفي الى تقرير طبي.. ومن رسالة غرامية الى منشور انتخابي.. ومن قصيدة شعر الى تعليق سياسي في جريدة يومية.. ومن لوحة قمرية الى كيس ملح.. ومن مصنع للعطور الى (فبريكة) لانتاج المسامير والأسلاك الشائكة. إننا حين نحب فإننا نخلق الشخص الآخر الذي نحبه وهو في الوقت نفسه يخلقنا.. وفي الحب الكبير فإن عملية الخلق هذه لا تنتهي.. وفي هذه الحالة يتحول الحب الى نوع من الابداع.. فكيف نتصور الدنيا بدون إبداع؟. كيف نتصورها بدون هذه المادة السحرية المشعة التي يشتغل عليها راقصو باليه الشعر على مسرح الأوراق البيضاء الخالية.. وصائدو ألوان قوس قزح وترويضها في لوحة زيتية تكاد تنطق.. وسارقو نار المعرفة المقدسة الذين صاغوا بها تراث البشرية من الحكمة والفلسفة والموعظة الحسنة.. ولاعبو السيرك الذين يحولون أكثر الحيوانات شراسة الى حيوانات مبدعة مسلية بقطعة (سكر) ولمسة حنان؟ إن الحب ليس طبق عجائن إيطالية نأكله ونشبع.. ولا هو جريدة نقرأها ثم نلقي بها.. ولا هو فيلم سينمائي نشاهده قبل النوم ثم ننساه في الصباح.. ولا هو إشارة مرور حمراء نتوقف عندها قليلا ثم نعبرها عندما يتغير لونها.. الحب طموح نحو المعرفة والاكتشاف والتنبؤ.. سفر بلا نهاية.. وطرح لا يتوقف للأسئلة.. ولو بدأ من عيني امرأة فإنه سيصل الى قلب وطن.. ولو أشعلته عيون سوداء واسعة فإن الدفء سيسري في أطراف البيوت والمدارس والمحاكم وأقسام الشرطة وقاعة اجتماعات مجلس الوزراء.. ولو نطقت باسمه فتاة بريئة فإن صوتها سيخلد في رواية لـ(نجيب محفوظ) وقصيدة لـ(صلاح عبدالصبور) وفيلم لـ(محمد خان) ولوحة لـ(عدلي رزق الله) ومقال لـ(رجاء النقاش). وهو ما يعني أن الحب - وعلى عكس ما هو شائع - يتجاوز العلاقة بين رجل وامرأة.. ويترك عالمهما الضيق المحدود ليتوحد ما الكون الكبير بقمره وشمسه وبحاره ومحيطاته وغاباته وأفكاره وأحلامه.. لأنه مصدر الدهشة ومنجمها وينبوعها.. ولو ضاقت به الدنيا وهاجر بعيدا عنها فإن الدهشة تتحول مع الأيام الى روتين وعادة يومية.. وتدخل على الفور - ونحن معها - منطقة الكسوف. وأنا مع (نزار قباني) في الربط بين الحب والوطن.. (اني أحبك كي أبقى على صلة بالأرض والتاريخ والزمن والماء والزرع والأطفال إن ضحكوا.. بالخبز والبحر والأصداف والسفن ونجمة الليل تهديني أساورها.. بالشعر أسكنه والجرح يسكنني.. أنت البلاد التي تعطي هويتها.. من لا يحبك.. يبقى دونما وطن).. وهو يرى أن كل من الكاتب والسياسي والجراح ورجل الأعمال ومقاول الطوب والزلط يبقى وسيما سلسا متفهما قادرا على العطاء (طالما أنه موجود في كنف المرأة.. وحين ترفع يدها عنه يشيخ عشرة آلاف سنة في سنة واحدة.. وينتحر كالفيل الافريقي من شدة الضجر والترهل والغلظة).. (إن الأمم لا تدخل في عصر الانحطاط إلا يوم تفقد قدرتها على والتواصل الانساني).. و(الوطن الذي لا يفتح النوافذ والفرص للحب هو وطن يستحق البكاء عليه). لكن.. الحب في الوقت نفسه هو صورة في المرآة للواقع الذي نعيش فيه.. وعندما تكون هناك بطالة فإن الحب يعاني من الكسل والخمول.. وعندما يصاب الكساد الاقتصادي بالبرد فإن الكساد العاطفي يسارع بالعطس واستهلاك صناديق من المناديل الورقية.. وعندما يصاب الجنيه بهبوط في القوة الشرائية يصاب العشق بهبوط في الدورة الدموية.. وعندما يسود الكذب في التصريحات السياسية نجد صداه في الخطابات الغرامية.. وعندما تضيع العدالة في توزيع الثروة تضيع أيضا في توزيع الرغبة.. وعندما نجد الفساد فارضا ارادته على الجيوب والنفوس فلماذا تنجو منه القلوب؟ إن العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة هي محصلة لكل ما يجري حولهما.. ومن ثم فإن الحب يتغير بتغير الظروف السياسية والاقتصادية.. لقد كانت المرأة في (الاتحاد السوفييتي) قبل أن ينهار ويتهشم مصونة بشرعية المشاعر.. لكنها الآن بعد ما جرى أصبحت علامة تجارية شهيرة لتجارة الرق الأبيض.. تصدره (روسيا) الى كافة أنحاء العالم بعد أن كانت تصدر السلاح والمصانع والأفكار.. وكانت (الصين الشعبية) دولة خالية من الدعارة قبل العولمة والانفتاح الاجباري على الكون.. لكنها الآن أصبحت سلعة مثل باقي السلع قابلة للاستهلاك والتصدير وتخضع للمنافسة الدولية واتفاقيات (الجات). وعندما تجد أسرة مصرية فقيرة في (الفيوم) أن الظروف الاقتصادية الطاحنة قد أجبرتها على أن تبيع طفلها مقابل 2000 جنيه كما نشرت الصحف اليومية فإن الكلام عن الحب يصبح نوعا من السخف لا يطاق.. ونوعا من الترف لا أحد يقدر عليه.. وعندما تسد كل منافذ الحياة أمام شاب تخرج في الجامعة منذ 8 سنوات ولم يجد عملا وقرر أن يقتل أول شخص يصادفه ليدخل السجن ويأكل وينام ويحل مشكلته فإن سؤاله عن رأيه في المرأة هو سؤال يستحق من يسأله القتل دون أي عقاب قانوني.. وهو ما يعني أن الحب مثل أي مواطن عليه أن يأكل ويشرب ويغضب ويقلق ويحتج ويبحث عن عمل ويفكر في زيادة دخله ويرتب أولوياته ويعاني من القرارات الاقتصادية ويتأثر بالتصريحات الرسمية. ويصعب علينا بعد ذلك أن نفاجأ بأن هناك رجلا يتزوج من عشرات النساء ويتعامل معهن كما يتعامل مع جلبابه.. ورجل لا يجد ظل امرأة.. ولا ظفر امرأة.. وكل علاقته المباشرة مع امرأة لا تزيد عن صورة في مجلة.. أو لقطة في فيلم.. أو فرجة من بعيد في زحام الشوارع ووسائل النقل العام.. ويصعب علينا بعد ذلك أن نتعجب من أن تأخر سن الزواج أصبح مرضا اجتماعيا مزمنا.. وأن الذين يتزوجون يفكرون في مساحة الفلوس لا نقاء النفوس.. وأن نسبة الطلاق في حي راق من أحياء العاصمة وهو حي (مصر الجديدة) لا تقل عن 30% بين الأجيال الجديدة.. فما بني على غير الحب سقط عند أول أزمة.. ويصعب علينا بعد ذلك أن نتساءل عن ظاهرة الزواج العرفي والسري.. فما لا يمنحه المجتمع فوق الأرض يجبر عليه تحتها.. ويصعب علينا بعد ذلك أن نفتش عن الرومانسية والمشاعر الجوانية والزهور البرية.. فعندما يكون الصراع على لقمة (العيش) فإن لا أحد يفكر في قطعة (شيكولاتة).. وعندما يكون الحلم هو (سندوتش فول) فإن تأمل السحر في لحظة الغروب يعد عملا من أعمال السخرية. ولو كان الحب يأكل ويشرب ويتنفس ويطالب بالعلاوة الدورية فإنه يفهم ويتكلم في السياسة ويتأثر بها.. إن (فارس الأحلام) لم يعد نجم السينما ولا نجم الكرة ولا ذلك المطرب النحيف الذي يكاد يطير في الهواء عندما تخرج منه كلمة (أنساك).. (فارس الأحلام) الذي فرضته الأحداث السياسية الملتهبة في (فلسطين) المحتلة أصبح الآن ذلك الشاب الفدائي الذي يلف حول خصره حزاما ناسفا من المتفجرات ليفجر به العدو الصهيوني بعد أن يسجل ـ في جرأة نادرة يصعب توافرها في البشر على شريط فيديو يتنافس على رؤيته العالم ـ وصيته تاركا نساء الأرض ليتزوج حورية من حوريات الجنة. إن المرأة في الأربعينيات والخمسينيات كانت غزالا نجري وراءه ولا نلحق به.. كانت وردة نشم عطرها ثم لا نتركها في حالها وإنما نضعها بين أوراق كراسة نسجل فيها مذكراتنا الشخصية.. أو فراشة ربيعية نتركها تطير حتى نحلق معها في دنيا من الحلم والسحر.. لكن المرأة في هذه الأيام وفي ظل ما يجري على شاشات المحطات الاخبارية أصبحت أرضا نقاتل عليها أو نقاتل من أجلها.. أصبحت جزءا من أحزاننا السياسية وقمعها وقلقها وكوابيسها. في هذه الأيام ليس بوسع أحد أن يختلي بحبيبته دون أن يحدثها عن تهور (إرييل شارون) وانحياز (الولايات المتحدة الأمريكية) الأعمى لـ(اسرائيل) وتدهور الأوضاع في (العراق) والحرب الأهلية في جنوب (السودان).. ليس بوسع أحد أن يختلي بحبيبته دون أن تمر بينهما أسراب الطائرات الاسرائيلية.. وكأنها ستلقي قنابلها فوق رأسك أو رأسها.. أو فوق دور الحضانة ومرايل الأطفال وكتب الحساب والتاريخ وباقي مصادر المعرفة.. إن الحب الذي لا يفهم في السياسة هو حب ينتمي الى أهل الكهف وعصر ما قبل العصور. والحب هو من عند الله.. لا أحد يعرف كيف يفسره أو يعرفه؟.. فلا تفسير لما لا يفسر ولا تعريف لما لا يعرف ولا تجسيد لما هو مخلوق من نور.. ولا أحد يعرف متى يخترق القلب ومتى يغادره أو ينقلب عليه.. وهو عندما يتسلل الى مشاعرنا فإنه لا يقدم انذارا على يد محضر.. ولا تسبقه فرقة من حرس الشرف.. فهو يهبط علينا كالصاعقة.. كشعاع الليزر.. كسقوط الضوء.. وهو يثق في نفسه تماما.. ويعرف أنه قادر على شطب تاريخنا العاطفي بنظرة.. بكلمة.. بإيماءة.. يعرف أنه قادر على أن يلغي زمان الرجل الخاص ويدخله في زمان المرأة التي وقع فيها.. فيحضر بحضورها الزمان ويرحل برحيلها. أو على حد قول سيد عشاق العصر (نزار قباني): (إن المرأة التي تقع في هواها هي المرأة التي كلما ذبحتك تلذذت بطعم دمك الساخن.. وكلما دفنتك في أحضانها تحولت في الصباح الى سنبلة.. هي المرأة التي تشطب كل عناوين النساء وتجعلهن إشاعة.. هي التي تتعامل معك كطفل عمره شهران.. وتعطيك أقلاما ملونة لترسم طائرات ورقية تطير بها.. هي التي تغير نظام المجموعة الشمسية التي تخضع لها فلا تطلع نجمة إلا بأمرها ولا يختفي قمر إلا تحت رموشها.. هي التي تلعب بوقتك.. كما تلعب القطة بكرة الصوف.. فتجعل السبت أحدا.. والجمعة خميسا.. وتعطيك وعدا في شهر أكتوبر.. وتأتي في شهر جمادى الآخر). والحب سيظل قائما في الدنيا إلا إذا قامت القيامة.. بل إن اختفاء الحب هو علامة من علامات الساعة.. وهو مثل الحزن يولد كبيرا ثم ينتهي صغيرا ضعيفا.. وهو مثل الطفل الرضيع يتأثر بكل الفيروسات الطائرة في الجو.. وهو مثل كل الكائنات الحية يخضع للمشاكل التي يعاني منها المجتمع.. فلو كان المجتمع طبقيا يفرق بين الفقراء والأغنياء كانت الثروة سدا منيعا يحرم العشاق من الحب والحياة.. مثل مئات القصص الغرامية الفاشلة التي دخلت التاريخ من باب البورصة والبنوك المركزية المغلقة.. ولو كان المجتمع عنصريا لكان اللون هو هذا السد المنيع.. مثل قصة (عنتر بن شداد) و(عبلة).. ولو كان المجتمع متعصبا لكان ضيق الأفق هو السد المنيع.. مثل قصة (روميو) و(جوليت). إن هناك دائما عقبات يضعها المجتمع في وجه العشاق.. ولو زُللت هذه العقبات لما كانت هناك قصة حب خالدة.. فالحب الخالد هو الحب الفاشل.. لأنه لو نجح الحب ووصل الى عش الزواج لدخل في ميزانية البيت والأقساط ومصاريف المدارس وارتفاع حرارة الصغار وتكلفة الأطباء والدواء.. وهو ما يجعل الحب يختنق في النهاية.. ويقدم استقالته.. ويفوض الملل في قبولها.. فكأن الحب الناجح هو موظف يعين في المؤسسة العامة للزواج ويخضع لكل القواعد البيروقراطية وعلى رأسها الاجازات العارضة والمرضية والمعاش المبكر.. وكأن الحب الذي لا يفقد حرارته ولا حيويته هو الحب الذي لا يعرف طريقه الى الجدران والاستقرار.. فأي اختيار يمكن أن تفضله أنت شخصيا؟ ـ كاتب مصري