«كان يا ماكان في قديم الزمان» ان غزا مارد طاغية لم تأخذه رأفة بالمسلمين اسمه هولاكو بلاد العرب وعاث فيها فسادا واشهر من التقتيل الذي فعله ان حرق ورمى اطنانا من الكتب في النهر، فصار ماؤه كالحبر، تلك الكتب كانت تحوي حصيلة فكر وتراكماته عبر السنين، كانت جهودا كبيرة راحت ضحية عبث جبروت شذ عن القاعدة، جبروت نابع عن بغض واحقاد ضد كل ما هو فكري اسلامي عربي.. ومضت الحكاية بعد ذلك مضرب مثل لمن يلقى بنتاج الفكر البشري الى الفناء.. والعبارة التقليدية التي تتقدم في صدور الرواة والكتبة « كان ياما كان» تحمل بعدها للعرب قصصا حول من بغضوهم وحقدوا عليهم، طيلة ذلك الزمان. هذا الكره المعلن وغير المعلن، وهذا البغض، والنظرة التي تمثل الخطر عن اولئك الحاقدين ما زال يعتمل في الصدور ضد العرب، ورغم ان العرب ما زالوا رواة حتى بداية الالفية الثالثة وهم يصرون على منطق الروي حتى في قمة الازمات التي يتساقطون عند عتباتها واحدا تلو الاخر، ما زالوا يتمسكون بـ «كان يا ماكان. اعاد التاريخ للعرب مئات المواقف والازمات، اعادها كما هي احيانا وبمتشابهات احيانا كثيرة.. لكن العرب تقودهم «الطيبة» وتقتلهم السذاجة، في كل مرة تمر الحكاية ذاتها محملة بالبغض والكره والعداوة والنظرة العنصرية الا انهم متسامحون الى ابعد مدى، ويتجاهلون فك الاشارات، الاشارات التاريخية، والاشارات التي تعيد تدوير دلالاتها ثم تعود، لكنهم لا يريدون للصحوة ان تتغلل في المسام وبحقائقها.. أمس الأول اغلقت المباحث الفيدرالية الامريكية ـ تعاطفا مع الصهيونية ـ اعدادا كبيرة من المواقع العربية والاسلامية، وجاءت اللائمة متأخرة من ان تلك المواقع اسلمت رقابها لشركات من خارج المنطقة العربية، وبالتالي هي عرضه طيلة الوقت «للنبش والهبش» والتخريب والانكشاف الدائم، فهي بالتالي مواقع مخترقة ومسيطر على امرها، انها معلقة بالحبل نفسه الذي تشنق منه كالعادة.. جاء اللوم متأخرا، وجاءت النداءات بأهمية ان يتكيء العربي على العربي، المقولة التي لاكتها الالسن وجففت الحناجر لسنوات طويلة ولا من يسمع ولا من يجيب. وليست المواقع العربية على شبكة الانترنت ما تريد الصهيونية اسكاته ودفنه في رمال الحقد واغراقه في ماء البغض، وليست وحدها المواقع التي تدار من خارج السيطرة، ان «الطامة» الكبرى ان المصير كله معلق بحبل الشنق ذاته.. متى نتخلص من تقرير المصير؟ متى نتكيء على اكتاف بعضنا البعض؟ متى يصبح لنا اشياء سرية هامة لا تنكشف على عدو؟ متى يصبح حبلنا بأيدينا لا بيد من يكرهنا ويفندنا على اننا آفات يجب ان تعيش على هامش الحياة، وان نكون منقادين بحبال الشنق تلك. ليس ما حصل للمواقع العربية خطيرا وارهابا الكترونيا كما يقال اليوم، ان الخطر والارهاب صارا خطين ناريين نساق اليهما سوقا، سواء فتحنا حدقاتنا باتساع قرص الشمس، او نمنا نومة اهل الكهف الطويلة. والامر ليس بداية الغيث، فالغيث صار انهارا اغرقت اشياءنا الثمينة. halyan@albayan.co.ae