شاءت مقدمة «حوار العمر» على «الفضائية اللبنانية L.B.C» أن تضفي على الحلقة الاخيرة من البرنامج تميزاً اكثر لاستقطاب المشاهدين. وأظن بأنها نجحت في ذلك كون الشخصيات الثلاث التي تمت محاورتها يشكّل كل منها ركناً يجتذب الضوء في الميدان الذي يعمل فيه. فالدكتورة حنان عشراوي اكاديمية وناشطة فلسطينية لعبت دوراً في انتفاضة شعبها ولاتزال، فيما جورج حاوي يرتبط بصلات وثيقة بالمعارضة الديمقراطية وله تجربة طويلة في قيادة العمل اليساري في لبنان، اما زياد الرحباني فهو المثير للجدل دائماً بأعماله المسرحية والموسيقية والغنائية، بالنظر الى ما تحمله من تعبير فني غير مألوف لدى النقّاد والجمهور في آن معاً. وبعد اعلانات متواترة وانتظار متواصل، جاء الموعد المرتقب وبُثّت الحلقة، وفي ظنّنا أن الضيوف الثلاثة سيكونون في الاستوديو معاً، لكننا فوجئنا بأن الحلقة قد تحوّلت الى ثلاث حلقات، كل واحدة منها لها مناخها الخاص بها. ومع احترامنا الشديد للضيفين د. عشراوي وجورج حاوي، فإن الناس كانت تنتظر اطلالة زياد الرحباني على الشاشة بعد غياب طويل، خاصة بعد الحلقتين المشهودتين من «حوار العمر» اللتين أطلق فيهما مواقف مثيرة وأعقبتهما موجة من الانتقادات أطلقها أصدقاؤه وخصومه على حد سواء. جلس زياد الرحباني وقبالته مقدّمة البرنامج، التي كانت، على غير عادتها، حزينة، لكن الرحباني خفّف قليلاً من مسحة الحزن بطرافته وقفشاته المعتادة. وبدأت الأسئلة.. وظهر زياد مختلفاً عما عهدناه.. فسرعة البديهة كانت غائبة في اجاباته الى حد كبير، فيما ردوده كانت مرتبكة الى أن وقع في «الفخ». دخل زياد في السياسة عرضاً وطولاً، ولم يركّز في إجاباته حتى حدث المحظور. كان يتحدث وكأن الشاشة ملكه وحده وبدون ان ينتبه للبشر الكثيرين الذين كانوا يتابعون باهتمام ما سيدلي به من آراء حول الأوضاع في لبنان. سألته المذيعة عن الأحداث الاخيرة في البلاد، فقال إن الحل للتشنجات والاختلاف الحاد في المواقف يكمن بتطبيق «الفيدرالية»، متناسياً ما تسبّب به هذا الطرح من خراب ودمار وقتل طوال سنوات الحرب اللبنانية. ثم أوقعته مقدمة البرنامج مرة اخرى في الشرك، حين فتحت له الباب لمهاجمة سياسة الحكومة ووزراء وأحزاب، وصولاً الى دفعه لتأييد ما جرى من اعتقالات وتوقيفات في بيروت تحت شعار انه مع الأمن والنظام وضد الفلتان! وإذ أكّد زياد على يساريته، ووقوعه في أخطاء خلال مقابلتيه السابقتين في البرنامج نفسه، لكنه انزلق هذه المرة ايضاً الى الخطأ. ولعل ما صرّح به حول عدم احيائه حفلات فنية في دول عربية هو قمة السطحية في التعبير، حين اعتبر ان من واجب الناس القدوم الى لبنان لمشاهدته وليس العكس، في موقف لسنا ندري كنهه تجاه المغتربين من ابناء بلده، وهم بغالبيتهم يقدّرون فنه والتجربة الرحبانية عموماً. هذه هي غلطة الشاطر وهي بألف كما يقولون. علماً انه فنان عبقري، والأجدر به أن يحفظ هذه العبقرية من أي سوء، خاصة ان أعماله المسرحية قد شكلت بالفعل تقارير من الجماهير الى قياداتها ونواقيس انذار من كل الامراض السياسية والاجتماعية التي يمر بها بلده. خلاصة القول، إن زياد كان مرتبكاً في قول ما يريد، فوجد نفسه في وضع لا يحسد عليه حتى تجاه المحبين الذين اتصلوا به خلال الحوار. ارادت المذيعة جيزيل خوري ان يكون ختام برنامجها مسكاً فكان الوقود زياد الرحباني، الذي نسي عبقريته يومها وظهر عبثياً بامتياز.. أما المسك فتجلّى في شطارة مقدمة البرنامج التي استطاعت ان توقع ضيفها الذكي والمبدع في الشرك وتقدّمه في صورة مشوّهة! Email: ismail_haidar@yahoo.com.