الظاهر ان معظم كبار الموظفين العاملين في هيئة الامم المتحدة ووكالاتها وأجهزتها المختلفة يمارسون اعمالهم لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية لقاء اجر متفق عليه (سرا بطبيعة الحال)، ويبدو ان السيدة ماري روبنسون التي عينت امينا عاما لمؤتمر دوربان لمناهضة العنصرية، بوصفها مفوضة لجنة حقوق الانسان الدولية التابعة للامم المتحدة، لا تشذ عن هذه القاعدة، ففي سياق الموقف العدائي المعلن الذي اتخذته كل من الولايات المتحدة واسرائيل تجاه هذا التجمع العالمي اثبتت السيدة روبنسون انها اكثر كاثوليكية من البابا كما يجري المثل الانجليزي. قبل اقل من عامين شهد العالم فضيحة الاسترالي رتشارد بتلر رئيس اللجنة الدولية للتفتيش عن الاسلحة في العراق سابقا، عندما استقال احد مساعديه، الامريكي سكوت ريتر، معلنا على رؤوس الاشهاد ان رئيسه بتلر جعل من فرق التفتيش اجهزة تجسس على العراق، وأنه ينقل بانتظام حصيلة المعلومات التجسسية التي تتجمع الى وكالة الاستخبارات الامريكية من جهة والموساد الاسرائيلي من جهة اخرى. وبقية القصة معلومة. وقف بتلر عاجزا ازاء الادلة الدامغة التي عرضها ريتر لا يملك اي شيء للدفاع عن نفسه.. فاستقال من منصبه لكن كانت في انتظاره مكافأة امريكية فعلى الفور جرى تعيينه استاذا أكاديميا في «معهد بروكنجز» في نيويورك الذي يقال ان ميزانيته التشغيلية تتغذى بتمويل من الاستخبارات الامريكية. غير ان هناك اختلافا بين قصة بتلر ورصيفته الايرلندية السيدة ماري روبنسون فبينما بقي ذلك الاسترالي يمارس مهمته السرية لصالح «السي اي إيه» والموساد في الظلام الى ان فضحه احد نوابه (لدوافع غير معلومة حتى الآن)، فإن السيدة روبنسون فضحت نفسها بنفسها. ان السيدة روبنسون كما السيد بتلر موظفة دولية، وكممثل لهيئة الامم المتحدة لدى مؤتمر دوربان العالمي فإن المفترض ان تكون حريصة على حياد صارم وسط التيارات المتضاربة بين الدول الاعضاء المشاركة وتكتلاتها المتناقضة، وأن تحتفظ بالتالي بآرائها ومشاعرها الشخصية لنفسها. لقد بدا ان السيدة ماري روبنسون منحازة للموقف الامريكي الاسرائيلي حتى قبل ان يبدأ مؤتمر دوربان اعماله رسميا. وعندما اصدرت المنظمات الاهلية العالمية المجتمعة على هامش المؤتمر بيانها الختامي الذي اشتمل على ادانة رنانة لاسرائيل ووصفها بأنها دولة عنصرية تمارس الابادة الجماعية والتطهير العرقي، لم تعد السيدة روبنسون قادرة على التحكم الكامل في افكارها الذاتية. هنا ارتكبت هذه السيدة مخالفتين عبر مقابلتين تلفزيونيتين: أولا: شجبت روبنسون بيان المنظمات الاهلية قبل ان يقول المؤتمر الدولي رأيه الجماعي فيه على هيئة بيان ختامي، ودون اي استحياء وصفت ما ورد في بيان المنظمات في ادانة للدولة اليهودية بأنه «غير مقبول وجارح». ثانيا: رغم انسحاب الوفد الامريكي الى المؤتمر بناء على توجيه مذاع قاطع العبارات من وزير الخارجية الامريكية كولن باول، حاولت السيدة روبنسون تضليل العالم بنفيها امر الانسحاب الامريكي مدعية بأن القنصل الامريكي لدى جنوب افريقيا باق في المؤتمر كممثل للولايات المتحدة، مما حدا بواشنطن نفسها ان تصدر بيانا ناقضت فيه هذا القول. وليس من العسير فهم هذا الاستهتار العلني لبعض كبار الموظفين الدوليين لصالح الولايات المتحدة (ومعها اسرائيل)، ضاربين عرض الحائط بقوانين ولوائح المنظمة الدولية التي ينتمون اليها وما تشترطه من حياد ونزاهة. فهم بالطبع يعرفون من هي تلك القوة العظمى التي تدفع لهم وتملك من النفوذ داخل الامم المتحدة ما يجعلها في موقف فريد لضمان بقاء زيد في وظيفته او اقصاء عمرو.. او حتى مكافأة هذا أو ذاك بمنصب امريكي مرموق كمكافأة وبديل.