في لقاء ضم فلسطينيين وعربا، اسرائيليين ويهودا قبل حوالي اربعة اعوام للتحدث في شئون السلام اثناء حكومة نتانياهو الليكودية، نظر عفيف صافيه ممثل منظمة التحرير في لندن متحدثا للمجموعة الاسرائيلية المعارضة للانسحاب من الاراضي المحتلة المؤيدة لبقاء الاستيطان بأنه سوف يصل الفلسطينيون قريبا لحالة ينفجرون فيها امام الاسرائيليين، فيعطلوا فيها الحياة العامة ويفجروا في كل مكان وعند كل شارع وقرب كل دائرة. بل سرد وبعاطفة واضحة وصفا دقيقا لكيفية حصول علميات تفجير في كل مكان وفي القدس وبطريقة ترهب الاسرائيليين ولكن عفيف اردف قائلا انه يتمنى ان يتم كل هذا بواسطة قنابل لا تقتل احدا ولا تؤلم احدا ولا تنفجر، لكنها تصل لاهدافها وتوصل لاسرائيل رسالة مفادها ان الفلسطينيين قادرون على الحاق الاذى باسرائيل، وان الاستعلاء في التعامل معهم سوف يفتح الباب لاسوأ الاحتمالات. بل اردف عفيف قائلا: «كناية باستعلائكم علينا وتجاوزكم لحقوقنا سوف يكون اخر عمل اقوم به قبل ان اكفر بالسلام، هو الانضمام للمجموعات الاسلامية بالتحديد بالرغم من مسيحيتي وذلك لترونا امامكم كشعب لديه حقوق». هكذا صدم المتحدث الفلسطيني المعروف باعتداله وايمانه بالسلام المجموعة الاسرائيلية وجميع لاءاتها. والجدير بالذكر انه لم يصدق احد حينها ان ما قاله ممكن. ومع انفجارات القدس الاربعة منذ ايام، ومع توالي حالة المواجهة الفلسطينية الاسرائيلية تذكرت كلمات عفيف صافيه، اذ قالها في حينها دون ان يعلم علم اليقين ان انتفاضة بهذا الحجم في طريقها للتبلور، وان المقدرة الفلسطينية على الثورة مازالت قائمة كما كان الامر في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، بل تؤكد انفجارات القدس الأخيرة بأن التصعيد الاسرائيلي سوف يقابله تصعيد فلسطيني، والتصعيد الاسرائيلي سوف يقابله مواجهات فلسطينية لا نهاية لها. ولو نظرنا للعلاقة الاسرائيلية الفلسطينية التي تبلورت منذ اتفاقات اوسلو عام 1994 لوجدنا انها كانت تعكس في البداية ميزانا للقوى يختلف عن ميزان اليوم فمع اوسلو كانت منظمة التحرير في اضعف اوضاعها، وكان الغزو العراقي للكويت ونتائجه عربيا واقليميا قد اضعف الانتفاضة الفلسطينية الاولى واعاد القضية الفلسطينية الى الوراء. في ذلك الوقت جاء اتفاق اوسلو كانقاذ للوضع الفلسطيني، وكاطار لاستعادة الموقف والتوازنات المفقودة. وابان مفاوضات اوسلو المتشعبة، واثناء المفاوضات المطولة التي تلت اوسلو وادت لبعض الانسحابات الاسرائيلية كان الموقف الفلسطيني هو الاضعف، وكانت الخرائط الاسرائيلية والاملاءات الاسرائيلية هي التي تسيطر على الموقف، لم يكن الوضع الفلسطيني بلا موقف، ولكنه كان يضطر بعد المماطلة في التوقيع والمماطلة في الاتفاق القبول بالمطالب الاسرائيلية، وذلك على أمل ان الاتفاق النهائي سوف يعالج كل خلل وكل نقص. الشيء الذي لم يكن واضحا للاسرائيليين هو ان عودة الكثير من الفلسطينيين الى اراضي الضفة الغربية وغزة، واستعادة بعض اراضي فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي واقامة سلطة فلسطينية وطنية على أرض فلسطين لأول مرة في تاريخ الصراع، اضافة لتسلح الضفة الغربية وقطاع غزة، قد اشعر الشعب الفلسطيني بأنه اقترب من نيل حقوقه. وقد تمثل هذا بعشور عارم وحقيقي بأن الاستقلال قد اقترب، وان تحقيق الاماني الوطنية قد اقترب، وان الحرية اصبحت قاب قوسين او ادنى، لكن اقتراب الفلسطينيين من تحقيق آمالهم جعلهم اكثر تخوفا من اية محاولة اسرائيلية لاعادتهم حيث كانوا مقهورين وتحت الاحتلال. وهذا التناقض بين مذاق الحرية وبين الخوف من فقدانها دفع الفلسطينيين الى الانتفاض بعد ان شعروا انهم لن يحققوا احلامهم النهائية وانهم قد يفقدون الامل مرة ثانية. اليوم تواجه اسرائيل انتفاضة يصعب هزمها عسكريا، وهي انتفاضة تؤكد بأن الحل الحقيقي للقضية الفلسطينية قد اقترب، وذلك بسبب عجز الحكومة الاسرائيلية عن ايجاد حل بواسطة القوة العسكرية. بل تؤكد الاوضاع الراهنة انه لا بديل لاسرائيل سوى الانسحاب من الاراضي التي احتلتها عام 67، ولا بديل الا بممارسة الحكمة: فابمكان دولة ان تستكبر على المحيط الذي تعيش فيه لبعض الوقت، ولكنها لا تستطيع ان تحقق ذلك طوال الوقت. ان حكمة التاريخ تؤكد لنا استحالة ان تبقى دولة رغم ارادة ضحاياها وهي تعيش في بحر من العرب والمسلمين ممن يسمعون يوميا انين الاطفال وصرخات الامهات. في هذا تواجه اسرائيل غضبا حقيقيا سوف ينقلب عليها ان هي تمسكت بسياسة الاضطهاد وعدم الانسحاب ومحاولة اطفاء نار المقاومة. ـ استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت