السيطرة من جانب العالم المتقدم على العالم المتخلف تتخذ أشكالا عدة، منها ما هو مباشر على شكل غزو واستعمار عسكري دون مواربة أو تجميل، وكان ذلك يحدث حتى منتصف القرن العشرين، وان كانت تمت تصفية هذا النوع من الاستعمار والسيطرة إلا أن بقاياه لا تزال قائمة في الكثير من مناطق العالم بما فيها مناطق في بلاد متقدمة وتنتمي إلى العالم الأول، كما هو الحال في مستعمرة جبل طارق التي تحتلها بريطانيا، والاحتلال البريطاني لايرلندا الشمالية أيضا. ومنه ما هو غير مباشر أو لا تراه العين المجردة ولكنها لا تخطئه تحت تراكمات التحليلات السياسية والدعاية الإعلامية التي يملك الاستعمار نفسه مفاتيح السيطرة عليها من خلال امتلاكه للمؤسسات البارزة في هذا المجال، فيتم تحويل معاني الكلمات حتى تبدو بمعان تناقض معانيها الحقيقية، وهو ما نراه اليوم بارزا في إعلام دول العالم الثالث نفسه، التي تكاد تستخدم الكلمات بالمعاني التي يقصدها منها ذلك الاستعمار، فنجد أن النضال من اجل التحرر اصبح «إرهابا»، أو مجرد ممارسة العنف إذا كان هناك نوع من الوعي يستخدمه البعض ليثبت حالة، ولكنه يخشى سطوة الآخر في مواجهته، ونجد العنصرية يتحول معناها إلى مجرد «سيادة وطنية»، دون أن تشير إلى أن الأطراف الأخرى المخالفة تدخل في إطار الوطنية الحقيقية، وانه لا مبرر لفصل جزء من مواطني دولة ورفض وجودهم لمجرد الاختلاف في العرق أو الدين، وفي أحيان كثيرة لمجرد الاختلاف في التفكير. ولتنفيذ تلك السيطرة الاستعمارية يمكن استخدام كل الطرق والوسائل الممكنة، ليس تطبيقا للقاعدة الميكافيلية «الغاية تبرر الوسيلة»، بل زاد عليها الاستعمار المعاصر معاني أخرى تصبح تلك القاعدة إلى جوارها مجرد تفكير بدائي. لذلك أصبحنا نرى دولا ترفع راية الديمقراطية شعارا وتطالب الآخرين باحترام هذا الشعار بجميع الوسائل التي تمتلكها، من الإعلام والمنظمات الدولية التي تسيطر عليها، وحتى استخدام قوة السلاح، وفي الوقت نفسه تستخدم كل تلك الوسائل للحيلولة دون تطبيق مبدأ تبادل السلطة، الذي يمثل العنصر الأساسي في النظام الديمقراطي، في حالة إذا ما وجدت أن الشعب اختار حزبا أو فريقا من السياسيين الذين قد يهددون مصالحها، أو حتى مجرد عدم رضائها عن توجههم. وربما كانت التجارب الديمقراطية في دول أمريكا اللاتينية اقرب إلى كشف هذه المواقف المزدوجة من جانب القوى الرئيسية في العالم التي تدعي أنها «حارسة» الديمقراطية، وأنها لن تهدأ أو تسكت حتى تطبق جميع دول العالم هذه الديمقراطية على النسق نفسه، بغض النظر عن ملاءمته لبعض المناطق والشعوب لاختلاف التفكير والتاريخ والجغرافيا أيضا. وما حدث في التشيلي خلال السبعينيات مجرد دليل بسيط على استخدام كافة الوسائل غير الديمقراطية لإسقاط نظام ديمقراطي، واستبداله بنظام عسكري دكتاتوري معاد للديمقراطية بكافة أشكالها. وإذا كان البعض من السياسيين الغربيين يبررون ما حدث في التشيلي من إسقاط لنظام سلفادور الليندي الديمقراطي بقوة السلاح وتسليم السلطة للجنرال اوغوستو بينوشيه على انه جاء في فترة تبرر حدوثه، باعتباره كان جزءا من الحرب الباردة التي كانت قائمة في ظل وجود القطب السوفييتي الذي كان يتهدد الديمقراطية الغربية في عقر دارها، فانهم لا يستطيعون تبرير استمرار تلك النظريات لتبرير ممارسات أخرى لا تزال مستمرة بل وبشكل اخطر من منع حزب أو جماعة سياسية من الوصول إلى السلطة، ليتعداه إلى تدمير تلك الديمقراطيات نفسها، ونموذج البيرو من اكثر النماذج المعاصرة تجسيدا لهذه الرؤية الاستعمارية العمياء التي لا ترى في تلك الدول سوى مجرد ديكور لاستكمال نظام عالمي تسيطر فيه قوة واحدة، أو توجه واحد على مقدرات الشعوب وتسخير كل ثروات العالم لخدمة شعب واحد على حساب شعوب العالم كله. فيما كان النظام الديمقراطي يعيش في بيرو أزمته الخاصة الناتجة عن أمراض الديمقراطية نفسها والتي يعتبر الفساد أبرزها، وظفت الولايات المتحدة مخابراتها لنسف التجربة من أساسها تحت شعارات مكافحة فساد الأحزاب التقليدية المتصارعة التي لم تفعل شيئا طوال نصف قرن من الاستقلال سوى دفع المزيد من المواطنين في البلاد إلى التهميش والفقر، وبلعبة بارعة قدمت وجها مجهولا من الناحيتين السياسية والاجتماعية، يحمل صفات خاصة ويرفع شعارات «ديماجوجية» تبدو مقبولة من الوهلة الأولى، لا لمصداقية إمكانية تطبيقها بل لأنها فقط مختلفة عن اطروحات الأحزاب التقليدية التي سئم المواطن وجودها وممارساتها. كان ذلك الوجه للمهندس الزراعي الياباني الأصل «البيرتو فوجيموري» الذي برز فجأة كأنما صنعته الطبيعة لتقدمه بديلا للوضع القائم والمرفوض من الجميع، وتهيأت له الظروف لوجود المرشح الآخر المرفوض سياسيا بسبب تقلباته بين الأيدلوجيات القائمة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وهو الكاتب الشهير ماريو بارجاس يوسا. الغريب أن أحد الأسلحة التي استخدمها المهندس المغمور هي تسريب أنباء عن علاقة مشبوهة بين بارجاس يوسا والمخابرات الأمريكية؟!، وهو اتهام مجرد الاشتباه بوجوده يقضي على مستقبل أي شخص أيا كان موقعه وشهرته في بلاد أمريكا اللاتينية التي عانت شعوبها ولا تزال تعاني من آثار تدخلات الولايات المتحدة السافرة والمدمرة في بلادهم. اشتدت الحملة بين المجهول فوجيموري والشهير بارجاس يوسا لتنتهي في النهاية بالنتيجة غير المتوقعة وفوز كاسح للأول في مواجهة هزيمة منكرة للثاني، هزيمة كانت نتيجتها أن تحول فوجيموري إلى الرئيس الأكثر شعبية في تاريخ الديمقراطية في القارة الأمريكية اللاتينية كلها، وهو ما نتج عنه أيضا قرار المرشح الشهير بارجاس يوسا لمغادرة الوطن وطلب التجنس بالجنسية الأسبانية، وكأنه يريد أن يعاقب الوطن الذي لم يمنحه ثقته بالتنصل من جواز سفره الذي كان يحمله. كانت البداية مشجعة في وصول المهندس المغمور للسلطة، فقد استطاع في فترة قليلة أن يحدث انقلابا دستوريا داخل البلاد حصل على أثره بسلطات واسعة لم يكن يملكها رئيس سابق عليه، واستطاع تهميش دور الأحزاب التقليدية لصالح الجيش والجنرالات تحت ادعاء مواجهة جماعة «الدرب المضيء» الماركسية «الماوية» التوجه التي كانت تعيث في البلاد فسادا. ونجح فوجيموري فيما فشل فيه سابقوه، بل انه استطاع أن يعتقل رئيس تلك الجماعة في عملية أشبه بالأسطورة وتم نقله داخل قفص حديدي كتلك الأقفاص التي تنقل فيها الحيوانات المتوحشة في السيرك أو المحميات الطبيعية. ثم كانت عملية «السفارة اليابانية» التي قامت بها جماعة «توباك امارو» اليسارية أيضا والتي انتهت بإطلاق سراح رهائن السفارة ومصرع جميع الخاطفين في عملية مذاعة تلفزيونيا على الهواء مباشرة. لكن يبدو أن الدور المناط بالرئيس فوجيموري والذي خططت له قوى خارجية «مجهولة» قد قارب على الانتهاء، فبدأت تلك القوة المجهولة تكشف أوراقا كانت خافية، مما أدى إلى سقوط الرئيس في أعمال مشبوهة انتهت بهروبه إلى اليابان خوفا من سقوطه في القفص نفسه الذي وضع فيه زعيم الدرب المضيء. بهروب فوجيموري بدأت الأوراق تتكشف، وبدأت الأصابع الخفية للمخابرات الأمريكية تبدو علانية وفي وضح النهار، بل أن تلك الأصابع بدأت تحترق أيضا بسبب فشلها في إدارة الصراع بعد هروب الرئيس، يقول البعض ان هذا الفشل بات طبيعيا في العديد من أعمال المخابرات الأمريكية في السنوات الأخيرة، فيما يرى البعض انه مقصود لتبين للأنظمة القائمة في تلك البلاد أنها قادرة حتى على صنع رؤساء وحكومات على شاكلة فوجيموري. لكن الثابت فعلا أن المخابرات الأمريكية استخدمت في صناعة الرئيس فوجيموري شعار «الغاية تبرر الوسيلة» فسمحت له ولذراعه الأيمن «فلادمير مونتيسينو» بالعمل في مجالات تعتبرها الولايات المتحدة من أولويات سياساتها في أمريكا اللاتينية: الجماعات اليسارية المسلحة وتهريب المخدرات. فقد سمحت المخابرات الأمريكية لنظام فوجيموري أن يكون المصدر الرئيسي للأسلحة للجماعات اليسارية في كولومبيا وغيرها من الدول التي تشهد صراعات مسلحة وتعيش ما يشبه الحرب الأهلية، ولتمويل صفقات الأسلحة كان لا بد من وجود المخدرات على القائمة باعتبارها مصدر الأموال اللازمة. هذه الأعمال تبدو متناقضة مع ما ترفعه الولايات المتحدة من شعارات وبين ما تمارسه مخابراتها وعملاؤها في الأنظمة القائمة في تلك المنطقة، لكن يبدو أنها متسقة تماما مع السياسات الأمريكية إذا ما كانت المحصلة النهائية تصب في خانة المصالح الخاصة للشركات الأمريكية والسياسة الأمريكية العامة، بغض النظر عن إمكانية وقوع ضحايا من مواطنيها في سبيل تحقيق تلك السياسة. من هنا يقف المرء حائرا تجاه شخصيات مثل شخصية الرئيس البيروفي السابق البيرتو فوجيموري، وطريقة صعوده إلى قمة السلطة ثم سقوطه المروع الناتج في رأي العديد من الخبراء السياسيين في المنطقة عن تناقض السياسة الأمريكية، وربما الناتج أيضا عن الصراع القائم بين مؤسساتها العاملة في المنطقة والتي تدخل صراعا مع بعضها البعض يمكن فيه تطبيق الأسلحة نفسها التي تستخدمها للسيطرة على الدول الأخرى حتى لو كانت النتيجة فشلا ذريعا في عمليات إحدى تلك المؤسسات قد يهدد السياسة العامة للدولة. وأيا كانت الأسباب التي دفعت المخابرات الأمريكية لكشف أوراق عملائها في البيرو فإنها تركت الشارع البيروفي يضرب أخماسا في أسداس حول شخصية الرئيس الهارب الذي كان في لحظات بطلا قوميا وتحول فجأة إلى عميل وخائن للوطن، ومطلوب للعدالة لارتكابه جرائم ضد البشرية بعد تكشف دوره في عمليات اغتيال راح ضحيتها طلاب وأساتذة في الجامعة لمعارضتهم نظامه، خاصة بعد أن بدأ مدير مخابراته السابق في كشف الأدوار التي لعبها الرئيس السابق، لا كراهية في رئيسه السابق ولا حبا في الوطن، بل في محاولة لإثبات براءته باعتباره كان منفذا لسياسات كان يضعها فوجيموري، أو على الأصح سياسات كانت تخطط لها المخابرات الأمريكية وتقدم لها الدعم من خلال التمويل بغض الطرف عن صفقات الأسلحة مع الجماعات المتمردة في البلاد المجاورة، أو غض الطرف عن تهريب المخدرات وغسيل الأموال بما يمثله من خطر على الأمن الداخلي للمواطنين في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن الثابت أن فوجيموري كان بطلا قوميا بسبب الدعاية الإعلامية التي وفرتها له وسائل الإعلام الغربية، وهو ما يزيد من اليقين بدلا من الشك في صدق انتمائه إلى المخابرات الأمريكية كعميل، خاصة بعد اعتراف مدير مخابراته السابق بذلك، وهذا المدير نفسه كان منتميا إلى المخابرات الأمريكية، وتلقى منها عشرة ملايين دولار خلال السنوات العشر التي قضاها في السلطة، فما أضيق المسافة بين البطولة والعمالة في السياسة المعاصرة. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا