في كل مرة يتطلب فيها الأمر وقفة عربية في مواجهة المشهد المأساوي في الاراضي المحتلة تتعالى اصوات جامعي التبرعات، ويبدو ان التبرعات صارت الوسيلة الوحيدة للتخلص من عقدة الذنب، ذنب الخذلان وذنب العجز عن اتخاذ قرارات مصيرية حازمة تجاه عدو سمح لنفسه بممارسة كل اشكال العنصرية نحو اهلنا في فلسطين ونحو العرب اجمعين. حينما تصرخ ام صرخة وامعتصماه، في بيت جالا، أو أريحا، أو خانيونس، أو غزة، يعلو صوت من ينادي اجمعوا التبرعات يا عرب.. التبرعات وجمعها جهاد، هذا ما لا يختلف عليه اثنان، والدعم المادي صحيح وسليم ويعزز صمود المجاهدين والمناضلين، لكن ان تتحول المسألة على الطرف الآخر كبديل، او بدائل لمواقف يفترض ان تتخذ في الطريق النضالي والصمودي، وان تتخذ كبديل للتخلي عن الجرأة وعن الشجاعة، وتتخذ كشرط كفاية يدرأ ويجب كل ما هو مطلوب في مواجهة عدو مستعمر وعنصرية عنجهية استغلالية وحشية، واتخاذ التبرع وجمع الاموال واستغلالها بشتى الطرق للتملق والمواربات، فهذا ما يرفع للسطح علامات الاستفهام والتعجب. منتخب عربي يخوض هذه الايام تصفيات كأس العالم التمهيدية، لم يحضر مبارياته جمهور مناسب، وهذه الايام ولانه يواجه فريقاً قوياً، لم يجد طريقة لاستدرار عطف الجماهير وجلبهم الى الملعب لتشجعه سوى طرح بطاقات دخول تحمل عبارة «تبرعوا للانتفاضة». قد يقول قائل ان هذا قمة «التمام» وان المنتخب يوظف ريع دخل مباراته للانتفاضة الباسلة وهذا مشروع ويمارس في الرياضة وفي الفنون وفي شتى انواع التبرعات لكن السؤال يكمن في الحقيقة والنتيجة المطلوبتين.. المنتخب في النهاية يريد جمهوراً لتشجيعه، والمنتخب اصلا سوف يشجع بعبارات غنائية راقصة والعملية في حقيقتها «لعب كرة قدم، والمنتخب حينما يفوز في تلك المباراة جمهوره سيعيش حالة رقص، صحيح ان قيمة التذكرة ذهبت «ان كانت ستذهب» الى الانتفاضة لكن قيمتها عند الناس ذهبت مع الرقص والفرحة بالكرات التي ذهبت في شبكة المرمى!! إذن قيمة التبرّع القيمة النضالية، قيمة الجهاد، القيم العليا التي تذوب في الحالة الاستهلاكية التي نعيشها، وتبقى المسألة برمتها كيف تنمو القيمة في دواخلنا وتترسخ؟ وكيف تموت وتخبو وتذوب مثل اصابع «الشيكولا». تبرعوا بالطريقة التي تريدون لكن حافظوا على القيمة. halyan@albayan.co.ae