واحد ذهب بريطانيا يبحث عن الصحراء! شهر كامل في عالم «اكسفورد» اقضي من كل يوم ما يزيد على ثلاث ساعات، ابحث فيها عن اسم أو لون الصحراء. وعالم اكسفورد لا يشابه حال أوطاننا العربية، انه غريب، انه في عيوننا ـ نحن المحرومين ـ يحمل آيات من الخيال والحلم والتمني واللامعقول. معقول توجد في الدنيا هكذا مكتبات، بهذه الفخامة، بهذا الوسع المعرفي، بهذه الدقة، ومعقول ان توجد هكذا جامعات ومدارس. مدينة تقوم وتعيش على التعليم، اينما تنظر تجد ركنا لمبنى تعليمي، فأعرق وأشهر جامعة في هذا العالم منتشرة في نواحي المدينة، بين الاسواق وقرب المستشفى، وعند حافة النهر ووسط الحقول الزراعية، انها في كل مكان فيها. تحف معمارية بنيت قبل أكثر من ستمئة عام لاتزال واقفة قوية، لم تتحول الى متاحف جامدة صامتة، انها حيّة تعيش مع الناس، تستقبلهم تمنحهم الحياة وتحملهم رائحة التاريخ والمعرفة، فاكسفورد الجامعة تجلس في جنبات هذا العرش يلفها مجد العلم محفوظة بسحر التاريخ. كل يوم يمر عليك في هذه المدينة، اذا ما عشته متحركا فيها، فإنك ستكتشف تحفة أثرية واضحة في طريقك او منزوية في منعطفاتها: كنيسة أو فندقاً أو سوقاً أو مبنى صغيرا بجانب شجرة طويلة عريضة عمرها من عمر المدينة. كل ما ستشاهده له قصة، وقصته جزء من سيرة وحضارة المدينة الذي هو تاريخ التعليم عندما سكن فيها وجلب لها طلابه ومريديه من كل البقاع التي سمعت خبر انتشار العلم فيها، فخافت المدينة منه وكرهت من جاءوا له، وحاربتهم لكنها لم تقاوم طويلاً وانهزمت امام قوة العلم، لقد غلبها بقوة، كان ذلك بالعصور السوداء التي عاشتها اوروبا في ظلام الجهل. واليوم تعيش اكسفورد على مجد (العدو) الذي كرهته وحاربته، نهضتها وازدهارها قائمان على ثروة العلم وطلابه، انها اشهر مدينة في هذا العالم باسم العلم فقط. وفي مدينة الجامعات والمدارس تقوم حضارة الكتاب، اذا دخلت الى احدى مكتباتها الفخمة عندها تنسى انك شاهدت مكتبات من قبل هناك، مكتبات لا يدخلها الزوار انها مخصصة لطلاب الجامعات، يمكنك ان تشاهدها من بعيد، من خلال نوافذ مبانيها العتيقة. ومكتبات مفتوحة للجميع، هنا يمكنك ان تدخل وتشتري أو تجلس للقراءة، اذا كنت لا تنوي الشراء. لا يخرج كتاب في هذا العالم ـ باستثناء الكتب التي تطبع في العالم العربي ـ الا وتجده هنا، كل لغات العالم وألوانه حاضرة، كتب قديمة وكتب جديدة جدا، كل ما تتمنى، كتب تحلم بها واخرى لا تخطر على بالك، تجدها مكتوبة وحاضرة امامك. إليكم أمثلة: سائقو التاكسي في نيويورك وتصرفاتهم في الطرقات خلال اداء المهنة، آخر سيرة مصورة في اشكال مختلفة لنساء سيئات السمعة في بانكوك، كتاب عن المظاهر التي ترتبط برحلة الحاج الى بيت الله، من شكل سير القافلة قديما وحديثا، الى عبارات واشكال الفرح بعودته ونوع الهدايا التي يحملها الحاج، كتاب مصور يحكي تفاصيل منوعة اخذت من بلدان اسلامية مختلفة كالمغرب وباكستان ومصر والسعودية.. وغيرها من الكتب. مكتبة واحدة قد تضم كل المكتبات الموجودة في بلد عربي واحد او اكثر من حيث اتساعها. والكتاب العربي قد يكون الكتاب الوحيد النادر الوجود هنا، فقليلة جداً هي الكتب المكتوبة باللغة العربية والمتوفرة في هذه المدينة، وأمر الشح هذا مرده انه لا يوجد طلب عليها، لا تجد قارئاً يبحث عنها، ولا تجد من يروج لها، فتصبح كتبا غير مرغوب فيها ولا مكانة بارزة لها بين لغات العالم المختلفة التي تقدمها أو تعرضها مكتبات اكسفورد. اما الكتب التي كتبت عن العرب باللغة الانجليزية فهي متوفرة بكثرة، تلك التي تتهجم عليهم أو التي تنصفهم وتتحدث عنهم بحيادية، او تلك الفخمة المجلدة تجليداً فاخراً والمكتوبة والمطبوعة بأموال العرب يوجد لها مكان حتى ولو كان في اسفل الرفوف الحاملة، وتوجد اسماء عربية معدودة تتوفر مطبوعاتها باللغة الانجليزية، تتحدث عن الوطن العربي أو الاسلام او صراعنا مع العدو الصهيوني مثل د. ادوارد سعيد ود. مي يماني، وسعدت انني شاهدت في ذلك الحيز الضيق للكتب الانجليزية التي تتحدث عن المنطقة العربية مجموعة اصدارات تحمل اسم وشعار مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. فمهم ان نصل الى كل العالم وأول الوصول اليه ان نكتب او نترجم له بلغته، والامر الاهم هو أن نعرف كيف نصل اليه، وموقع مثل مكتبات اكسفورد من اهم المواقع التي يلتقي فيها العالم ويتبادل فيها الكتب. نكمل الاسبوع المقبل