في عالم الغناء توجد ظواهر غريبة خارج اطار حركات الفيديو كليب الرياضية او البنطلونات الضيقة والسُرر المكشوفة، فهذه ظواهر بصرية يمكن لأي مشاهد حيادي ان يرصدها ليلاً ثم يشتمها صباحاً، لكن الظاهرة التي نتحدث عنها ذات صبغة اجتماعية ولها خلفيات مدروسة في الوسط العائلي! فعندما تقرر مراهقة عربية ان تصبح مطربة، تعرض الموضوع اولاً على أمها التي تزغرد من الفرح لأن ابنتها الامورة ستحقق حلماً طالما راودها ولكن مضى قطار العمر بعيداً دونه وها هي الابنة تقتص من الزمن، وتحقق للأم حلمها الضائع. وستقوم الأم بدورها في الاعداد للمرحلة الجديدة من الحياة، حيث ستعمل اولاً على قص شعرها بطريقة الـ «كاريه» ليعطي هيبة ووقاراً لأم فنانة صاعدة، ثم تنخرط في برنامج لتخفيف الوزن صباحاً، ولن تفوت حلقة من «ما الك الا هيفا» مساءً، وستشطب من قائمة المعارف والجارات نصف دستة من فصيلة المحشي، والغسيل والاولاد وشطف البلكون وتعزيل السقيفة وخزائن المطبخ! بعدها ستُعلم الأب (آخر من يعلم) بالمشروع العظيم الذي سيضمن مستقبلاً لأجيال اجيال العائلة، فاذا رفض ستحمل حقيبتها وتأخذ ابنتها الى فندق قريب من استديو الفن، حيث تصبح بين ابنتها والشهرة رمية حجر، لكن اذا وافق الاب ـ وهذا ما يحدث عادة ـ فسيصطحبهما بسيارته الى اقرب مخزن لشراء ثياب مكشوفة الصدر والظهر حتى يصبح حضورهما لائقاً على الشاشة. هذه التفاصيل التي أوردناها ليست اختراعاً عبقرياً من مخيلة كاتب هذه الزاوية، انها حقيقة المطربات المراهقات اللواتي يصعدن سلم الشهرة حيث لكل واحدة منهن أم تقودها إلى هذا الدرب، ضامنة للبنت صعوداً شاقولياً وسياجاً لسمعتها المصونة حيث ان امها (بئر اسرارها) معها في كل خطوة خوفاً من الانزلاق الأفقي في أحد الفنادق أو «شي واحد نصاب يبرم رأس البنت ويضحك عليها»، فتضيع، ويضيع معها مستقبلها ومستقبل أجيال الاسرة. ولو راجعنا معظم الحوارات التي تُجرى مع المطربات المراهقات لوقفنا لدى جملة: «أمي صديقتي، أو : أمي معي في كل خطوة، أو: أنا وأمي سوية، أو : أمي بتسهر وأنا بغني»، واذا كانت المطربة المراهقة بنتا تربيتها جيدة ستقول: «أمي الصدر الذي أرتاح عليه. طبعاً تقصد بعد الحفلة وليس قبلها! تلك الحوارات عادة يفبركها شخص محتال ويعرضها على المراهقة وأمها باعتبارها مديرة اعمالها فتوافق دون تردد على تلك الجمل المتعلقة بالأم مصدر الحنان والأمان والمخدة التي ترتاح اليها أو عليها.. بعد الحفلة. ثم تنشر الحوارات وكأنها احدى أساطير الغناء رغم انها خالية من المعلومات الموسيقية واصول الطبقات الصوتية والمقامات الشرقية والغربية اللهم تلك الاسئلة المتشابهة والمتكررة عن كل أم وابنتها الطامحة الى المال والشهرة. حكاية المطربة وأمها صناعة عربية بامتياز، حيث لا أحد يتبع هذا التقليد سوانا لأننا مجتمع محافظ ونخاف على سمعة البنت! وهكذا سنجد أماً وراء كل مطربة مراهقة تجر حقيبتها وتشرف على طعامها ومنامها وعلاقاتها مع الجنس الآخر (حتى لا تنزلق أفقياً) ناهيك عن تلك الأم التي تحمل معها كيس دوائها: فهذه الحبوب للسكري وتلك المشدات للدوالي، وهذه اللصقات لانسداد الشرايين، بالاضافة الى علبة حبوب (الفاليوم 5) التي تساعد الأم على النوم حتى الصباح، بعدما تسكت شهرزاد عن الكلام المباح. ولأن لكل حكاية نهاية ستشب المراهقة عن الطوق ثم تطلق شريطاً في سماء الفضائيات العربية وتبرم عقوداً للغناء في مرابع السهر بعيداً عن صدر الحنان، حيث لا حنان يشفع ولا عين تدمع ولا قلب يبكي. ولكنها لن تمل من تكرار جملة واحدة في كل حوار: أمي صدر الحنان والامان. الله يرحمها، لقد ماتت من فرط.. السعادة. E.Mail:H-S-D@ MaktooB.com