اذا كنت مواطنا امريكيا (خاصة اذا كنت ايضا ابيض البشرة) فإن خياراتك للسفر خارج حدود الولايات المتحدة، سواء للتسلية او العمل او لاغراض أكاديمية، باتت محدودة مع تقلص دائرتها يوما بعد يوم. من حين لآخر، مع فوارق زمنية قصيرة، تصدر وزارة الخارجية الامريكية «نصحا» او «تحذيرا» للرعايا الامريكيين اجمعين في كل العالم بتفادي زيارة دولة معينة بسبب «اعمال ارهابية محتملة» ورويدا رويدا اخذت عدد الدول التي تدرج على قائمة التحذير تعد بالعشرات بدلا من الآحاد. وكل المؤشرات المتوافرة تفيد بأن القائمة مرشحة لزيادة مطردة. من اقرب الامثلة اليمن فقبل بضعة اسابيع نصحت الخارجية الامريكية للمرة الثانية المواطنين الامريكيين بعدم التوجه الى اليمن في ضوء «الاحداث الاخيرة» بما فيها الهجوم على السفينة الحربية «كول» الذي وقع في ميناء عدن في اكتوبر الماضي. وتفسير عبارة «الاحداث الاخيرة» حسب رواية اخبارية نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز»، ليست في الحقيقة احداثا او حتى حدثا واحدا. فالذي يستفاد من خبر الصحيفة الامريكية هو ان هناك مناخا متناميا في التوتر ـ من وجهة نظر الاجهزة الامنية الامريكية وتقديرها للاحوال ـ نشأ بسبب ان السلطات اليمنية «تعوق» مسار التحقيق في حادثة «كول». ـ فهل هناك فعلا مناخ توتر؟ ـ الاجابة هي نعم.. ولكن ليس بسبب تعويق يمني مزعوم لمسار التحقيق في واقعة عمرها الآن يقارب العام، ولكن لأن الولايات المتحدة عمدت الى استغلال السماح لأجهزتها الامنية بالمشاركة في التحقيق (وكان من حق صنعاء ان ترفض اذا شاءت) لغرض التوغل في المشهد السياسي اليمني الداخلي مما لا علاقة له بالحادثة موضوع التحقيق. هذا مثال واحد للنهج الامريكي الثابت في التعامل مع دول العالم. فالدول التي ترتضى علاقة صداقة مع الولايات المتحدة تتعرض لانتهاك سيادتها بتدخل امريكي غير مشروع في الشئون الداخلية. اما الدول التي ترفض مبدئيا مثل هذا التدخل فإنها تواجه بحرب قد تتخذ شكلا دبلوماسيا او اقتصاديا او عسكريا او جميعها معا. لهذا نرى هذا الاجماع العالمي المتنامي على كراهية الولايات المتحدة، على صعيد الشعوب على الاقل. واذا كان المواطنون الامريكيون يستغربون انهم صاروا بشرا منبوذين في هذا العالم العريض، كلما اضافت السلطات الامريكية اسما جديدا على القائمة الطويلة للدول التي تصنف كأعداء لأمريكا والامريكيين، فليسألوا حكومتهم. وبالاضافة الى اليمن فإنه ليس متاحا الآن للامريكيين العاديين السفر الى عشرات من بلدان العالم دون ان يخاطروا بحياتهم، بفضل النهج الخارجي الاستفزازي للادارات الامريكية المتعاقبة تجاه الشعوب الاخرى. ان المواطن الامريكي المسيحي يفكر اكثر من مرتين اذا تراءى له ان يقوم بزيارة الى الاماكن المقدسة المسيحية في القدس، لأن الانحياز الامريكي الرسمي الفاضح للوحشية القتالية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين يجعل من الامريكيين هدفا للثأر. ومع تنامي التعاطف الشعبي العربي مع الاشقاء الفلسطينيين، فإن الامريكيين باتوا يخشون التجول في شوارع العديد من البلدان العربية. وحتى بلدان شرق افريقيا والقرن الافريقي وباكستان والهند باتت بؤر عداء للامريكيين. ومشكلة الولايات المتحدة الآن لا تقتصر على محدودية خيارات السفر الخارجي لمواطنيها.. وإنما تمتد لتشمل النشاط الدبلوماسي الرسمي. فعشرات السفارات الامريكية حول العالم اغلقت اما مؤقتا او لأجل غير مسمى بسبب اعتبارات امنية. ومعنى هذا ان اجهزة الادارة الامريكية في واشنطن باتت تعتمد على معلومات مغلوطة او مبتورة او حتى مجرد شائعات وأوهام، بشأن ما يجري في اجزاء عدة من العالم بسبب غياب الوجود الدبلوماسي. واذا كانت المعلومات الخاطئة لا تقود الا الى قرارات خاطئة (كما أثبتت حادثة قصف مصنع الشفاء للأدوية في السودان)، فإنه لا امل فيما يبدو لشفاء الولايات المتحدة من علة «الخوف المرضي».