طوال قرون اتبعت حكومات في العالم الغربي ولا تزال تتبع سياسات استعمارية وسياسات تستلهم غرض الهيمنة والاستغلال في العالم غير الغربي، ويسيطر على فكر أوساط سياسية وثقافية وفكرية وايديولوجية كثيرة في الغرب مفهوم «نحن» و «هم» ولا تزال جهات ذات نفوذ حكومية وغير حكومية غربية تسودها النظرة التي تركز على الانتماء العرقي الأوروبي، والتي تنطلق من تقسيم العالم إلى الناس الغربيين والناس غير الغربيين، «إلينا» و«إليهم»، «إلينا» وإلى «الآخرين» وتتأثر بهذه الفكرة على نحو متفاوت قطاعات كبيرة من الشعوب الغربية. ولدى قطاعات كبيرة من الشعوب الغربية، بما في ذلك قطاعات من صفواتها العلمية والفكرية، شعور واعتقاد بتفوق الأوروبي على غير الأوروبيين، وترى هذه القطاعات ان الغرب هو محور العالم من الناحية الثقافية والعلمية والحضارية والتكنولوجية وان عقل الأوروبي اكثر تطوراً من غير الأوروبي وان الأوروبيين أعظم وأشد ابداعاً من غير الأوروبيين. بهذا التقسيم ينشأ حاجزاً نفسياً وفكرياً وثقافياً بالنسبة إلى الغربيين في تعاملهم مع غير الغربيين، الجماعة التي تحدد هويتها على أساس التقسيم بين «نا» وبين «هم» تكون جماعة تفتقر إلى العالمية في نظرتها إلى الحياة، تعريف الشعب القائم على هذا التقسيم يسهم في تحديد الهوية القومية ويحدد نظرة الشعب إلى الشعوب الأخرى، ويحدد وجوه سلوك ذلك الشعب نحو الشعوب الأخرى. وبالتالي تكون هذه النظرة غير متوازنة ومنقوصة وغير عالمية، ولا يكون هذا السلوك منطلقاً من أساس ثقافي وقيمي ومعرفي شامل بل من أساس ثقافي وقيمي ومعرفي ضيق ومنقوص. وأيضاً يميل أفراد الشعب الذي تتحدد هويته القومية إلى أساس التقسيم بين «نا» وبين «هم» إلى رفض ثقافات الآخرين لجهله بها أو لاحتقاره لها. وجاءت عملية انتاج المعرفة في الغرب بـ «العالم غير الغربي» متأثرة وملونة ومكيفة بهذه السياسات وبهذه النظرة، وتأتي أساليب تعامل ذلك الشعب مع الشعوب الأخرى متأثرة بذلك التقسيم تكون هذه الأساليب غير مراعية أو غير مراعية بما فيه الكفاية لثقافات الشعوب الأخرى. وطوال قرون من الاتصال أو عدم الاتصال بين الغرب والأراضي غير الغربية شاع جهل متبادل بين الغربيين وغير الغربيين، وخلال تلك القرون كان ذلك الجهل أحد العوامل الهامة في اشاعة احتقار قطاعات من الغربيين لثقافات شعوب غير غربية وفي اشاعة كره تلك القطاعات لتلك الشعوب. وفي ظل تلك السياسات والنظرات الغربية والكراهية والاحتقار الغربيين حيال «الآخرين» غير الغربيين، وخصوصاً الأفريقيين والمسلمين، في اطار انتاج المعرفة، جاءت الافتراضات والأحكام غير المعتمدة على الحقيقة في الغرب مستلهمة لتلك السياسات والنظرات. في ظل تلك السياسات والمواقف والتحيزات والكراهية الغربية، مال الغربيون عموماً في الحالات التي تتطلب المصلحة المتصورة للجماعة ان تحل أو ان تفسر تفسيراً ذاتياً، إلى تفسير تلك الحالات بما يتفق مع مصلحة الجماعة المتصورة وبما يشكل اعتداء غير سليم ولا مبرر له على ثقافات الشعوب الأخرى وكرامتها وبما يتناقض مع الحقيقة القائمة. وفي الحقيقة ان اعداداً كبيرة من الأساتذة في الكليات والجامعات الغربية غلبت عليهم طوال عقود كثيرة هذه النظرة المتسمة بالجهل أو الاحتقار أو الاستعلاء أو التحيز أو احتضان أفكار مقولبة مسبقة، ولا تزال هذه النظرة تغلب على كثير منهم، والأدهى والأمر هو ان اعدادًا كبيرة من هؤلاء الأساتذة يوصفون بأنهم «متخصصون» في شئون مناطق تقع خارج الغرب، بما في ذلك يقينا الشئون العربية والاسلامية. ان هذه النظرة تزيل أهليتهم لأن يؤدوا دور الهيئة التدريسية أداء سليما، فهذه النظرة تفسد طرحهم للقضايا التي يتكلمون عنها وتضع حاجزا نفسيا ومعرفيا بينهم وبين المواضيع والشعوب التي يتكلمون عنها، وحتى عبارة «العالم الثالث» التي يحب كثير من الغربيين ان يستعملوها عبارة تنم عن التحيز وعن التركيز على الانتماء العرقي الأوروبي، فعبارة «العالم الثالث» تعني وجود عالمين آخرين سابقين: العالم الأول الغربي الرأسمالي والعالم الثاني الاشتراكي، لقد قسم مفكرون في الغرب العالم من منظورهم إلى عوالم ثلاثة، وفي الحقيقة انه يمكن للمرء ان يقسم العالم على انحاء أخرى: مثلاً، من ناحية مدى غلبة النزعة الانسانية ومدى غلبة النزعة المادية ومدى غلبة النزعة الاستهلاكية ومن ناحية مدى قوة العامل الديني في الحياة ومدى قوة أو ضعف الأسرة. والشعب الذي تعتمد هويته القومية على ذلك التقسيم والذي شاعت في صفوفه صورة الشعب المختلف عن الآخرين يميل إلى تعزيز تغاير هويته وصورته عن الشعوب الأخرى وذلك تعزيزا لهويته وصورته، وعن طريق تعزيز هذا الاختلاف يزداد التباعد والانقسام عمقاً بين ذلك الشعب والشعوب الأخرى. ان التقسيم «إلينا» و«إليهم» كأساس لتحديد الهوية يحدث أيضاً داخل الدولة الواحدة وفي صفوف الشعب الواحد في أرجاء مختلفة من المعمورة، فداخل الدولة تحدد طبقات وفئات متميزة من ناحية الثروة أو المكانة أو رفعة المنصب الذي يشغله احد أفرادها، هويتها الطبقية المتميزة على أساس التقسيم إلى «نحن» و «هم» فـ «نحن» الأثرياء و «هم» المعوزون، و «نحن» أصحاب المكانة و«هم» الذين لا مكانة لهم، و«نحن» الذين نتولى المناصب الرفيعة ذات النفوذ و «هم» الذين لا ينالون ولا يستطيعون ان ينالوا ذلك. وكما ان ذلك التقسيم لا يساعد على الاتصال والتفاهم والانسجام على الصعيد الدولي فإنه لا يساعد على التماسك الاجتماعي والقومي داخل الدولة الواحدة. والشعوب التي ثقافتها ثقافة انسانية وعالمية مثل الثقافة الاسلامية تعزف عن ذلك التقسيم للبشر، هذه الشعوب تكون نظرتها اكثر عالمية، ولا تستلهم هذه الشعوب مفاهيم التفوق العرقي أو العنصري أو البيولوجي، المفاهيم التي تأخذ بها تلك الشعوب تتجاوز التقسيمات العرقية وتتسامى فوقها، لدى هذه الشعوب ميل أقوى إلى قبول واحتضان مفاهيم انسانية عالمية من قبيل تقوى الله في خلقه وتساوي البشر أمام الله ومفهوم لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى والكل كأسنان المشط. وبما ان المعرفة وطريقة توليدها تتأثران بالخلفية القيمية الثقافية للشعب الذي تنشأ المعرفة في صفوفه، فإن المعرفة الغربية جاءت تعكس ذلك الشعور والاعتقاد الغربيين بالتفوق وبأن الغرب هو مركز الاشعاع والابداع الحضاريين، وبما ان طريقة استعمال المعرفة تتأثر أيضاً بتلك الخلفية جاءت طريقة استعمال الغربيين للمعرفة متأثرة بتلك النظرة الغربية، وكان ذلك أحد العوامل في ان «المعرفة» الغربية تتضمن ان الغربي مركز الحضارة وان الغرب مركز الحضارة وان حضارة العالم غير الغربي لا وزن لها أو ليس لها وزن كبير، وان للغربي دوراً قيادياً في انتاج الحضارة وفي تسيير شئون العالم الذي يسكنه خارج الغرب بشر هم دون الغربي ـ من ذلك المنظور ـ من الناحية المعرفية والعقلية والخلقية، وان البقاء للأصلح، وان الأصلح هو الأقوى والأكثر ثروة، وما إلى ذلك من الأفكار المغرضة. وهذه النظرة لم تتجل في العلوم الاجتماعية فحسب، ولكنها تجلت أيضاً في قسم من العلوم الطبيعية، ففي علم الأحياء بذلت وتبذل محاولات لاثبات ان العرق أو الجنس أو النوع الأوروبي أفضل من العرق غير الأوروبي. وبسبب تأثير البنية القيمية الثقافية السياسية السائدة في الغرب في المعرفة جاءت نظريات وعلوم اجتماعية، من قبيل التاريخ وعلم الانسان والعلوم السياسية وعلم النفس في الغرب، متأثرة بهذه النظرة الغربية، وجاءت اتجاهات تلك العلوم في حالات غير قليلة متفقة مع تلك النظرة، فالتطور الاقتصادي هو التطور الذي لا مندوحة عن مروره بمراحل التطور الاقتصادي الغربي، ومحور تاريخ العالم هو أوروبا أو الغرب، والابداعات ابداعات أشخاص غربيين، والانسان الغربي هو الانسان النموذجي، ورسالته هي رسالة الرجل الأبيض الذي عليه ان يتحمل «عبء» نقل الحضارة إلى الشعوب غير الغربية «الهمجية» وأراضي سوريا وفلسطين والأردن والعراق أراض لم تبلغ، بعد سلخها عن السلطنة العثمانية، من التطور حداً يمكنها عنده من ادارة شئونها بأنفسها، ولذلك فرضت عصبة الأمم التي كانت تحت تأثير الدول العظمى الغربية نظامي الانتداب الفرنسي والبريطاني على تلك البلدان حين يحين، حسب الزعم الاستعماري، وقت استقلالها السياسي. هذه الطرق حيل احتال بها غربيون ووسائل توسلوا بها لتحقيق أهدافهم الاستراتيجية والاستعمارية أهداف التحكم بالشعوب وابقائها تحت قبضتها والسيطرة على مقدراتها ونهب ثرواتها واضعافها، عن طريق تفيت البلدان وتجزئتها واضعاف هويتها القومية والثقافية. ـ أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في الولايات المتحدة