المراقب الذي يتابع أوضاع ومجريات السياسة الأمريكية في هذه المرحلة بالذات لا يملك سوى أن يردد - مع بعض التعديل - المثل الدارج القادم الذي يقول: بين السناتور نو والسيدة رايس يا قلب لا تحزن.. وربما يكون الأدق هو أن يحزن القلب كثيرا كثيرا.. وهو يرصد المواقف الشديدة السلبية التي تتخذها الادارة الحالية في البيت الأبيض ازاء الكثير من شئون عالمنا وشجونه ما بين رفض تقنين وتداول الأسلحة الصغيرة وهي التي أتاحت استمرار الحروب الأهلية التي عصفت بالقارة الافريقية بالذات وحّولت جمهرة من فلذات أكبادها الأحداث القصّر الصغار الى مقاتلين يعرفون الموت والقتل وازهاق الأرواح بعد أن أغتيلت براءة طفولتهم. فيما أصبح معروفا بظاهرة الجنود - الأطفال الى رفض الانضمام الى اتفاقية كيوتو بشأن تغيير المناخ والحد من التلوث الكوكبي أو رفض التصديق عليها.. الى ما نسميه تخريب المؤتمر الدولي المناهض للعنصرية والتمييز العرقي - الشعوبي الذي انعقد في دوربان بجنوب افريقيا لصالح اسرائيل من جهة ولاعفاء الغرب المتجبر من الجرم التاريخي الذي كان لابد وأن يتحمل مسئوليته عن جريمة الاستعباد - الاسترقاق التي ارتكبها الغرب الأوروبي - ثم الأمريكي بحق ملايين من أبناء الشعوب الملونة ويعيش أحفادهم وأخلافهم اليوم مطالبين بالتعويض عن كل هذه العذابات.. وليس آخر هذه السلبيات ما أعلن عنه جهارا نهارا الرئيس الأمريكي بوش في أواخر أغسطس الماضي من أن مسئولية ما يجري في الأرض الفلسطينية المحتلة يتحمل معظمها الرئيس.. ياسر عرفات هذا بينما أصبح مشهد تشييع جنازات الشهداء من مواطني السيد عرفات وبني قومه مشهدا يتكرر يوميا وربما يتكرر في سياق اليوم الواحد على شاشات العالم وبشتى اللغات. بعد هذا أليس من حق القلب أن يحزن كثيرا وهو يتأمل ما آلت اليه الأحوال بين السناتور نو والسيدة رايس في المشهد السياسي الأمريكي الراهن. مواقف اليمين المحافظ فأما السناتور نو أو السيد لا فاسمه جيسي هيلمز وكان من أركان مجلس الشيوخ بالكونجرس الأمريكي على امتداد ربع قرن ويزيد حيث ظل رمزا لكل ما هو رجعي وكل ما هو عنصري وكل ما هو متعصب في مجرى السياسة الأمريكية المعاصرة. ولدرجة أن تحدثت عنه نيويورك تايمز في افتتاحية الخميس 2382001 فقالت: أن السناتور جيسي هيلمز لم يفوت يوما أي فرصة لتغليب مصالح دائرته الضيقة وتغليب أفكاره المتعصبة المحدودة على المصالح القومية.. ويحسب عليه ما أدلى به من أصوات معارضة داخل جدران الكونجرس كي يوقف مبادرات بناءة من قبيل تقديم طوابع الغذاء للفقراء أو قانون الهواء النظيف أو تدابير المياه الصالحة للاستخدام أو الاحتفال، مجرد الاحتفال بذكرى الزعيم الزنجي مارتن لوثر كنج شارف السناتور نو على الثمانين وأعلن مؤخرا اعتزاله السياسة.. وما كان الرجل مجرد هاو في ساحة العمل العام بل كان واحدا من أفصح المعبرين عن التيار الذي نراه الآن متحكما في مضمار السياسة الأمريكية في الداخل وفي الخارج على السواء.. هذا التيار الذي يطلق عليه مصطلح التيار المحافظ أو التيار اليميني. وثمة مصطلح شائع في أمريكا يمكن بدوره اطلاقه على هذا التيار ويمكن ترجمته مؤقتا بما يلي: ـ التفكيكيون وهي ترجمة مؤقتة مستعارة - كما قد تلمح - من أجرومية الأدب والنقد المعاصرة - دعوة التفكيكية التي يقول لها أصحاب هذه المدرسة في فرنسا بالذات وعلى رأسهم الفيلسوف ديريدا ومشايعوه من دعاة التفكيك في دنيا السياسة - الأمريكية بالذات لهم شأن آخر. إنهم رافضو أي قوانين أو قواعد أو تدابير يقصد منها أن تنظم المسار أو تتحكم في مجريات الأمور أو تضع حدودا لهذا النشاط أو ذاك. وهم يحتمون بالشعار العتيد الذي نشأت في ظله الرأسمالية نظرية ونظام اقتصادي - سياسي وهو شعار الحرية المطلقة بغير قيود أو حدود أو سدود وقد ترجموها في العبارة الفرنسية الشهيرة التي ترجمها العرب الى: ـ دعه يعمل.. دعه يمر وفي ظلال هذا الشعار من الحرية المطلقة ظلت النظم الرأسمالية التجارية ثم الصناعية، تعمل دون أن يراجعها أحد في بلادها فوصلت الى حد استغلال الملايين وتشغيل الأطفال واستحلال عرق العمال وكان أن احتكرت الأقوات والمغانم.. الى أن بلغت مستوى الاحتكار وضاقت بها حدود أقطارها التي نمت فيها فكان حتما أن تبحث عن خامات ومواد أولية أرخص سعرا وأيسر منالا خارج الحدود وبالمرة تؤمن لمنتوجاتها أسواقا مفتوحة للتصريف والاستهلاك وكان أن وصلت هذه الرأسمالية - كما يدل تطورها التاريخي المعروف من مرحلة الاستغلال الداخلي لمواطنيها الى حقبة الاستغلال الخارجي لشعوب أخرى فيما وراء البحار وهو ما أصبح يعرف بالظاهرة الكولونيالية - ظاهرة الاستعمار التي شهدها العصر الحديث والتي ما زالت بعض بلدان العالم الثالث - ومنها أقطار عربية شقيقة تعاني منها أو من آثارها وعواقبها حتى اليوم. وجاء القرن العشرون مع القرن العشرين، ناهيك عن قرننا الحادي والعشرين كان لابد من حدود وقواعد تنظم السلوك والنشاط الاقتصادي، تماما كما أن وجود قواعد وحدود نظم السلوك البشرية في المجتمع الحديث أمر مطلوب من أجل السلام الاجتماعي وحفظ حقوق المواطنين حتى لا يجور أحد على أحد وحتى يحال بين النشاط الاقتصادي والوصول الى مرحلة الاحتكار أو الاستغلال أو الاستئثار أو التحكم المرفوض في مقاليد الوطن ومصائر مواطنيه. وبالأمس القريب حذر كاتب عربي لماح هو أستاذنا الراحل أحمد بهاء الدين في أول مراحل التحول الرأسمالي في بلد مثل مصر العربية - حذر من أن هذا التحول وقد اكتسب اسمه يومها وهو الانفتاح قد يكون من شأنه تخطي الحواجز وتجاهل القوانين والالتفاف من حول القواعد الناظمة للسلوك والنشاط الاقتصادي فأطلق يومها عبارته التي أصبحت شهيرة وباتت شعارا تحذيريا حين قال: ـ حذار من أن يصبح الانفتاح سداح مداح ولسنا ندري - علم الله - إن كان للعبارة أصل في متن العربية الفصحى ولكنها في كل حال مستخدمة في دارجة مصر آية على فوضى التحرر - بالأدق التحلل من التنظيم والترتيب والقواعد والمسئوليات. ـ ولا يتذرعن أحد بحكاية الدعوة الى التحرر من القواعد من أجل تنشيط الدورة الاقتصادية في المجتمع.. فكل نشاط له قواعده الناظمة وله حدوده التي قد تنطوي على بعض القيود والسدود.. لا يستثني من هذا قوانين اللعب في الكرة والسباحة والتضارب بقبضات الأيدي الخشنة التي يسمونها الملاكمة، فما بالك بلعبة الاقتصاد التي تمس في الصميم مصالح البشر وأقوات الناس؟ ادارة بوش الحالية في أمريكا يدور الصراع مستترا أحيانا ومعلنا أحيانا أخرى بين دعاة التنظيم ودعاة التفكيك - تفكيك القواعد والأنظمة المعمول بها وحرق اللوائح التي تقنن أصول لعبة النشاط الاقتصادي. ويبدو في ادارة الرئيس بوش الحالية أن الكرة ما زالت في يد دعاة التفكيك الذين لا يريدون قيدا أي قيد على نشاطهم.. يفعلون ما يشاءون ويكسبون ما يريدون ولو على حساب مصالح الآخرين وربما بلغ الأمر الحد الذي ينشر فيه الكاتب الأمريكي جريح ايستربورك دراسة بنيويورك تايمز ماجازين - 1982001 يقول فيها: - إن الادارة الأمريكية الحالية أصبحت واقعة تحت سيطرة فصيلين: رجال النفط ودعاة التفكيك. - واذا كان السناتور (نو) إياه رمزا لهذا الفصيل من المحافظين في مجال السلطة التشريعية فإن السلطة التنفيذية - البيت الأبيض بالذات أصبحت تحوي رمزا في مجال السياسة الخارجية على وجه الخصوص وهذا الرمز هو السيد نو كما قد نسميها أو هي السيدة كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأمريكي لشئون الأمن القومي وهي أخطر من السناتور هيلمز لأسباب شتى من أهمها ما يلي: (1) أنها تمثل - والأعمار بيد الله - شمسا طالعة فأمامها مستقبل لا يزال واعدا حيث لا يتجاوز عمرها 46 سنة في حين أن السناتور هيلمز يقف على أعتاب الثمانين وثمة سناتور عتيق آخر هو ستروم ثيرموند ويقف على أعتاب المئة (98) سنة باسم الله ما شاء الله - وقرر أخيرا أن يتقاعد مع أواخر العام الحالي. (2) أنها جاءت الى واشنطن مسلحة بسمعة تنبئ بأنها خبيرة وأستاذة في شئون روسيا وشرق أوروبا من جهة وأنها من غلاة الجناح المتشدد - حتى لا نقول الرجعي أو اليميني المحافظ من جهة أخرى وتلك سمة غريبة على بني جلدتها من السود - الأفرو - أمريكيين في الولايات المتحدة الذين تتصف زعاماتهم أو معظمها بحكم مطالبهم ونشأتهم بالليبرالية وأحيانا باليسارية أو التقدمية بمعنى الدعوة الى التغيير والى استخدام سلطة القوانين وسطوة الدولة المركزية من أجل تعويض الفئات المحرومة من حقب ماضية من المسغبة والتمييز والحرمان.. وهم يتراوحون في هذا بين أقصى التهاود والملانية مارتن لوثر كنج وبين أقصى التشدد لويس فاروقان المعروف خطأ في رأينا باسم فاراخان، ثم الوسط الذي يحاول أن يحتفظ بشعرة معاوية - الأمريكي طبعا بين الجناحين جسي جاكسون. (3) إن الحال تغير بالسيدة رايس منذ توليها الى منصبها الجديد - مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض ـ لقد دخلت مكتبها لتؤدي كما كان يتوقع المراقبون الدور التقليدي لمستشار الأمني القومي وهو دور التوازن والمفاضلة بين خيارات السياسة الخارجية المطروحة على أجندة رئيس الدولة من جانب الدوائر المختلفة المعنية بالأمن القومي والسياسة الدولية ابتداء من وكالات الاستخبارات والمعلومات وليست انتهاء بوزارة الخارجية. لكن ما الذي حدث؟ لم تقنع السيدة رايس بهذا الدور.. وكيف لها أن ترضى بهذه الحدود التي تقيد حركتها.. وكيف لها أن تقنع بدور يضعها في موقع خلفي أو بعيدا عن الأضواء الأمامية وأمامها نماذج لمستشاري الأمن القومي الذين لعبوا أدوارا محورية في سياسة واشنطن وفي مقدمتهم هنري كيسنجر بطبيعة الحال. تجميع أسباب السلطة تقول دراسة مهمة نشرتها مؤخرا جريدة نيويورك تايمز بقلم جين برليز: - لقد سارعت كوندوليزا رايس الى مراكمة أكبر قدر ممكن من السلطة والنفوذ وتبدت قدراتها لتصبح عنصرا في غاية النشاط والفعالية في صنع السياسة الخارجية ونصّبت نفسها في أعين المراقبين السياسيين وكذلك في رأي بعض المطلعين - كما تقول الدراسة - على مجريات الأمور داخل التركيبة أو التشكيلة الرئاسية في واشنطن - بوصفها مفكر القمة (وأكبر المدافعين) الغلاة في رأينا عن نظام الصواريخ الذي تبحثه ادارة بوش حاليا وعن وضع الانفاق السخي والتفعيل الى حد التثوير لقدرات أمريكا العسكرية في مرتبة الأسبقية الأولى من سياسة الادارة الحالية.. ونالت بذلك قوة دفع متجددة من البيت الأبيض الذي يعتقد - بكلمات جين بيرليز - أن بوسعها أن تحرز تقدما ملموسا ومحسوسا في مثل هذه المجالات استعدادا للانتخابات الرئاسية القادمة (!) في عام 2004. لا عجب أن تقول الدراسة التي نحيل اليها: أن كوندوليزا رايس مساعد يضطلع على وجه الخصوص بدور اليد القوية للرئيس بوش في البيت الأبيض.. وأنها تقف عند خط المواجهة القتالي الأول من خطوط السياسة الخارجية. الخوف على باول لكن الأهم في تصورنا هو ما تذهب اليه الدراسة المذكورة حين تشير الى أن دور مستشارة الأمن القومي أصبح في بعض الأحيان يفوق دور وزير الخارجية الحالي الجنرال كولن باول الذي وصفته الدراسة بأنه ليس متحمسا بما فيه الكفاية، إن لم يكن يتخذ موقفا لينا بشكل ما ازاء حكاية حائط الصواريخ الذي يوليه البيت الأبيض أهمية قصوى تفوق كل ما عداه من قضايا ومشكلات. وتشير الدراسة في هذا السياق الى أن الوزير باول اكتفى بأدوار جانبية - ثانوية كان يؤديها في قمة جنوة الأخيرة.. وفي المباحثات التي دارت في الكرملين الروسي - حيث لاحظ المراقبون أن الدور السياسي الأول بعد رئيس الدولة كان مسندا الى كوندوليزا رايس التي تربطها صلات وثيقة مع الرئيس بوش وعائلته بأسرها لدرجة أنها زائر دائم لمنتجع الأسرة الرئاسية في كامب ديفيد وإن كان المحللون لا يرجعون هذه الصلات الوثيقة الى إعجاب الرئيس الأمريكي بمواهب المستشارة بوصفها من صفوف الأكاديمية أو الانتليجنسيا الأمريكية.. قدر اعجابه - بحكم اهتماماته المعروفة - بأنها من غلاة المهتمين بالرياضة من حيث الممارسة والتشجيع واللياقة البدنية لدرجة أن نقلوا عنها يوما أن كان من بين طموحاتها أن تتولى منصب مفوض - مدير الفريق القومي لكرة القدم في الولايات المتحدة. يبقى السؤال الذي لا يزال مطروحا-: - هل يصل الأمر - مع تطور المواقف والأحداث الى أن تتكرر حكاية كيسنجر وروجرز حيث كان الأول مستشارا للأمن القومي وكان الثاني وزيرا للخارجية في ادارة نيكسون وبعدها ظل كيسنجر يفرض نفسه ويدبر أموره ويسجل نقطة هنا وموقفا هناك الى أن أزاح روجرز عن منصبه وقفز كيسنجر من مكتب مستشار الأمن القومي الى منصب وزير خارجية الولايات المتحدة؟ في رأينا أن المسألة جديرة بمزيد من الدرس والتحليل.. في الجزء الأخير من هذا المبحث إن شاء الله. ـ كاتب سياسي من مصر