كلما سافرت من بلد إلى بلد، أو توقفت من مطار إلى مطار، في بلاد العالم العربي، أحرص على أن أشتري من المكتبات الموجودة في المطارات بعض الأعمال الإبداعية خصوصا الروائية، أو بعض الكتب الذائعة الـ Best Seller، ودائما يلفت إنتباهي الركن المخصص لكتب التراجم العامة أو الذاتية، أعنى المؤلفات التي يضعها مؤلفون حول هذه الشخصية البارزة أو تلك في كل مجالات الحياة الفكرية أو الإبداعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو العلمية، قديما وحديثا، أو المؤلفات التي يكتبها أصحابها ليقصوا فيها على القارئ بعض حياتهم أو كل حياتهم، بكل ما وقع فيها من أحداث مهمة من وجهة نظر كتاب هذا النوع من الكتابة الذي نطلق عليه اسم (الترجمة الذاتية) أو (السيرة الذاتية) والاصطلاحان على كل حال ترجمة لاصطلاح أجنبي واحد Autobiography يترجمه البعض على أنه سيرة ذاته والبعض الآخر يؤثر الترجمة الذاتية. ولكل فريق سنده في اجتهاده، فأنصار (السيرة الذاتية) يضعون في اعتبارهم كتب (السير) وأنصار (الترجمة) الذاتية يستدلون على اجتهادهم بكتب (التراجم) التي يترجم فيها المرء لنفسه، أو يترجم له غيره في كتب التراجم المعروفة من أمثال (معجم الأدباء) لياقوت الحموي أو ( وفيات الأعيان) لابن خلكان وغير ذلك. وسواء تقبلنا ترجمة (السيرة الذاتية) أو (الترجمة الذاتية)، فالمهم أن فن (الترجمة) أو (السيرة) بوجه عام هو فن يزدهر ازدهارا خاصا في العقود الأخيرة، وتطغى كتبه بما يلفت إليه العين في كل مكتبة يدخلها الإنسان.وقد لفتت نظري كثرة كتب الترجمة الذاتية وغير الذاتية في السنوات الأخيرة، سواء من حيث تزايدها، أو من حيث تنوعها، أو حتى من حيث دخولها دائرة الكتب الذائعة. ولذلك أصبحت أشترى إلى جانب الروايات هذا الكتاب أو ذاك من كتب السير العامة أو الذاتية في كل مطار أمر به، وأفعل الأمر نفسه في المدن التي أزور مكتباتها، وأجدني أقرب إلى منطقة الروايات فيها خصوصا بعد أن أصبحت أدرك اننا نعيش في زمن الرواية، والواقع أنني كنت أستبدل بشعار زمن الرواية شعار زمن القص أو زمن السرد لأدخل فيه كتب التراجم التي يكتبها المؤلفون عن الاعلام الذين شغلوا الدنيا والناس، أو التي يكتبها عن أنفسهم هؤلاء الاعلام ويمكن للقارئ الملم باللغة الأجنبية أن يسترجع بعض التراجم الذاتية الشهيرة ليجد أن أصحابها كسبوا الملايين من ورائها، بل إن القارئ العربي يعرف من متابعته الأخبار اليومية أن دور النشر تلجأ إلى الشخصيات الشهيرة وتطلب منها كتابة مذكراتها، بل تشتري المذكرات بمبالغ خيالية في بعض الحالات، خصوصا إذا كان الأمير لا يخلو من جوانب فضائحية، على نحو ماحدث مع الاميرة ديانا قبل أن ترحل عن دنيانا، أو هذا السياسي الشهير أو تلك الممثلة التي تعرف كيف تجذب الأضواء إليها. والواقع أنني لا أريد التحدث عن كتب المذكرات الفضائحية، رغم أن كتب المذكرات بوجه عام تدخل في باب الترجمة الذاتية، وإنما أريد الحديث عن ما هو أشمل، وهو سبب انتشار هذا النوع من الكتابة على نحو لا نجد له مثيلا في أدبنا العربي الحديث أو المعاصر. صحيح أن طه حسين كتب (الأيام) والعقاد كتب (أنا) وتوفيق الحكيم كتب (سجن العمر) و(زهرة العمر) وأحمد أمين كتب (حياتي) وميخائيل نعيمة كتب (سبعون) ويمكن أن نضيف إلى هذه الكتابات بعض التراجم الذاتية الأحدث التي تضم ما كتبه لويس عوض وعبد الرحمن بدوي ومحمد مهدي الجواهري وثروت عكاشة ومحمود الربيعي وسمير سرحان وأسماء أخرى يمكن عدها وحصرها. ولكن الملاحظ أن كم المكتوب من التراجم الذاتية باللغة العربية أقل بكثير جدا من كم المكتوب من التراجم الذاتية بأي لغة أجنبية. والمقارنة بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية دالة جدا في هذا المجال، خصوصا حين نلحظ أن الوفرة في المكتوب باللغة الإنجليزية يقابلها الفقر في المكتوب باللغة العربية. وأتصور أن هذا الأمر يرجع إلى عدم شيوع تقليد الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث والمعاصر إلى اليوم، وعدم إقبال الكتاب على كتابتها، وذلك في موازاة عدم حماسة الناشرين على نشرها، إلا في الحالات الاستثنائية التي تلعب فيها السياسة دورا ملموسا. ويوازي ضآلة الترجمات الذاتية في الأدب العربي الحديث والمعاصر ضآلة الدراسات المكتوبة عنها. ولقد حاولت أن أبحث عن دراسات أدبية في هذا المجال، فلم أستطع سوى أن أعثر على كتاب المرحوم الدكتور يحيي عبد الدايم عن (الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث). وكان أطروحته لدرجة الدكتوراه من جامعة عين شمس، ونشرته مكتبة النهضة المصرية سنة 1975 ويوازي كتاب يحيي عبد الدايم كتاب استاذنا إحسان عباس (في السيرة) الذي طبع أكثر من مرة إلى اليوم. وفيما عدا ذلك لا أذكر سوى كتاب أو كتابين مترجمين إلى اللغة العربي عن اللغة الفرنسية أو الإنجليزية. وقد يكون فاتني كتاب هنا أو هناك، لكن حتى مع افتراض الفوت، فإن الدراسات المتاحة عن فن الترجمة الذاتية نادرة لا توازي في ندرتها سوى ندرة كتب الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث والمعاصر. ويتصل بهذه الظاهرة ما يمكن أن نلاحظه من إقبال الكتاب على كتابة ما يسمى رواية السيرة الذاتية، وهي نوع من الرواية يستمد أحداثه من حياة الأديب، لكنه يمزج هذه الأحداث بوقائع وشخصيات خيالية، وتركك للكاتب فرصة التعمية والتحرر.هكذا كتب محمد حسين هيكل (زينب) وكتب طه حسين (أديب) وكتب العقاد (سارة) وكتب إبراهيم المازني (إبراهيم الكاتب) و(إبراهيم الثاني) وكتب توفيق الحكيم (عودة الروح). وذلك في سلسلة تشمل الأجيال المتعاقبة التي يمكن أن نعد منها عبد الحكيم قاسم بروايته (أيام الإنسان السبعة) وإبراهيم أصلان (مالك الحزين) وغيرهما كثير. وواضح أن كتابة رواية السيرة الذاتية تحرر الكاتب من قيود كتابة السيرة الذاتية أو الترجمة الذاتية، فالرواية عمل خيالي في نهاية الأمر، وتملص الكاتب من أية مشابهة بينه وإحدى الشخصيات مسألة ممكنة فضلا عن أن القالب الخيالي للرواية يتيح للكاتب الحديث عن المحرمات التقليدية دون حرج: الدين، والسياسة، والجنس. ولذلك تحدث العقاد عن تجربة حبه الفاشلة للآنسة أو السيدة (سارة) وهي ممثلة شابة في عصره، لا تزال حية بيننا إلى اليوم، وتحدث محمد حسين هيكل عن مغامراته الجنسية الباكرة (قبلة مخطوفة لا أكثر) دون حرج، وتحدث توفيق الحكيم عن غرامه وأقربائه بابنة الجيران، وتحدث المازني بصراحة نسبية عن حياته وهواجسه العاطفية، ولاشك أن هذا الجيل يظل محافظا بالقياس إلى جيل الشباب الذي كان أكثر تحررا ولكن إلى حدود. والواقع أن شيوع رواية الترجمة الذاتية في الأدب العربي، بالقياس إلى ندرة كتابة الترجمة الذاتية، يلفت الإنتباه إلى أن ثقافتنا العربية الغالبة لاتزال تحول بيننا وبين شجاعة الاعتراف والبوح إلى اليوم. وأهم صفة في كتابة الترجمة الذاتية هي أنها اعتراف لا يعترف بحدود. ولا يأبه بالقيود، وينطلق فيه الكاتب معريا نفسه وأحداث حياته بلا خجل ولا ندم، غير متردد في الحديث عن تجاربه، أو تجارب غيره الذين اتصل بهم مهما كان هذا الحديث جارحا للأخلاق الشائعة أو مجافيا للسياسة السائدة أو مخالفا للتأويلات الدينية الغالبة. ولأن الكاتب الأوروبي أو الغربي يتمتع بمساحة واسعة من الحرية لا يتمتع بمثلها نظيره العربي، ذلك الذي يبدو محروما من الحرية ومقموعا من مجموعات الضغط السائدة فإن الكاتب الأوروبي أو الغربي يقول كل شيء في ترجمته الذاتية، ولا يشعر بالخجل أو الخوف، ولا يضطر إلى الرياء أو النفاق أو الكذب أو التظاهر أو الإتساع برقعة المسكوت عنه من الكلام الذي لا ينبغي أن يقال كما يفعل الكاتب العربي. قارن على سبيل المثال في الترجمة الذاتية الكلاسيكية بين (أيام) طه حسين أو (زهرة عمر) توفيق الحكيم من ناحية و(اعترافات) جان جاك روسو من ناحية مقابلة، تجد شجاعة الاعتراف مقابل الخوف، وتجد الجرأة في تناول (التابوهات) المحرمات الاجتماعية والجنسية والدينية والسياسية، مقابل إيثار السلامة بعدم التعرض للمناطق الحساسة من الحياة. ولذلك فنحن لا نعرف شيئا مثلا عن نزوات طفولة أو مراهقة طه حسين أو العقاد أو أحمد أمين أو ميخائيل نعيمة بالقياس إلى نزوات طفولة ومراهقة روسو التي كشفها أمام عيني قارئه دون خجل، ولا نستطيع أن نقرأ ترجمة ذاتية تصل إلى مداها في التعرية السياسية، أو حتى في إعلان بعض الشكوك الدينية، بل لا نغوص إلى أعماق الذات التي تتحدث عنها السيرة الذاتية، ولا نرى منها في النهاية سوى ما يرضى عنه رجال الدين وأهل الحكم وسدنة المجتمع. ولذلك ثار الكثيرون على لويس عوض عندما وصف جلسات والده في (أوراق العمر) وهو يحتسي النبيذ، وثار الكثيرون على عبد الرحمن بدوي عندما كشف عن أعماقه في (سيرة حياتي) ورفع الغطاء عن أحقاده وهواجسه وإتهاماته لكل الذين عرفهم تقريبا. ولم يضع هؤلاء الذين ثاروا في اعتبارهم أن كاتب الترجمة الذاتية حر في أن ينطق ما في داخله، وعلى القراء أن يقرأوا أو لا يقرأوا، يقبلوا أو يرفضوا. وبدل أن يتناقش المتناقشون حول فنية الترجمة الذاتية في هذه الحالة أو تلك تناقشوا حول اللياقة، حول هل من الجائز أن يكون الكاتب صريحا الى هذا الحد متناسين أن الصراحة هي المبدأ الأول الذي يقوم عليه فن الترجمة الذاتية في العصر الحديث. أذكر أن أحد دارسي الترجمة الذاتية الأجنبية كتب رأيا يقول فيه إن شيوع كتابة الترجمة الذاتية هو الموازي الإبداعي للذهاب إلى المحلل النفسي، وأن الكاتب المعاصر بدل أن يسترخي على أريكة المحلل النفسي تاركا العنان لتداعياته الذاتية فإنه يسترخي على الورق في كتابة السيرة الذاتية، ممارسا شجاعة الاعتراف الذي لا يخشى شيئا أو سلطة أو حاكما أو قوة، وأتصور أن هذا هو سبب ضعف الموجود لدينا من أدب الترجمة الذاتية، فضلا عن ضآلته العددية إلى اليوم، فثقافتنا بحكم أوضاعها وشروطها لا تتيح للكاتب وضع شجاعة الاعتراف، والكاتب نفسه يخشى من نتائج هذا النوع من الشجاعة، فيؤثر السلامة، ويلجأ إلى فن الرواية حيث يمكن للتقية والمراوغة الفنية أن تكون بديلا لشجاعة الاعتراف.