أفلحت الوفود واللجان الشعبية العربية الاسلامية فيما فشلت فيه الحكومات والانظمة، وانتزعت اول اجماع عالمي يدمغ الصهيونية بالعنصرية، بل يجعلها ـ كما هي في الحقيقة ـ مرادفاً لأعلى درجات العنصرية، ويفضح نزعتها تجاه القتل المنظم والاغتيال واغتصاب الارض وابادة الشعب الفلسطيني، ووضعها في مكانها كآخر النظم العنصرية في مطلع الألفية الثالثة. ووجهت المنظمات غير الحكومية (3 آلاف منظمة) صفعة مؤلمة لاسرائيل واللوبي الصهيوني المسيطر على دوائر صنع القرار الامريكي، وقدمت بفعل نشاط القيادات الشعبية الفلسطينية وخصوصاً عرب 1948، الذين يقبضون على هويتهم كالجمر رغم جبروت الاحتلال، دليلاً جديداً على ان اسرائيل وكفيلها الدولي «واشنطن» يمكن إلحاق الهزيمة بهما، وفضحهما وعزلهما، ان وجدت الارادة. على ان اخطر ما كشف عنه مؤتمر دوربان لمكافحة العنصرية، والذي يختتم اعماله غداً، ببيان ووثائق رسمية، هو فجاجة المنطق الذي يخادع به العنصريون الاوائل العالم، ويراهنون على خداعه، وسعيهم عبر السرقة في وضح النهار للفرار من العقاب. فمن يقرأ بيانات الافك الصادرة عن الاسرائيليين والامريكيين، يندهش، للتماثل الذي يصل حد التطابق، وكأنها صادرة عن شخص واحد، يتباكى زيفاً على «الكراهية» التي شحن بها مؤتمر دوربان ضد اسرائيل، دونما تذكر ان من حق الضحية ان يكره بل يثأر من جلاده، ومن حق صاحب الحق المسلوب ان يقاتل ـ وليس فقط ان يندد ـ بغاصبه حتى يسترد حقه. غايته، سينتهي مؤتمر دوربان، وستبقى العنصرية قائمة دولتها وكيانها، حتى يقول التاريخ كلمته، وتنتقل عدوى الارادة والمقاومة من دائرتها الشعبية الى الدائرة الرسمية، لكن الاخطر ان هناك عنصرية ادهى بانتظار الانسانية في الربع الاول من الألفية الثالثة. تتمثل العنصرية القادمة في الاتجاه الناشئ داخل بعض الاوساط والمراكز العلمية الغربية والهادفة الى تطبيق آليات الاستنساخ على البشر، بعد نجاح تجارب استنساخ «النعجة دوللي» وأحد الحيتان وأحد القردة عن غير طريق الانجاب الطبيعي. وتكمن خطورة التحكم في الجينات لاستنساخ مواليد جديدة وفق «تصميمات» مسبقة في نشوء عنصرية جديدة وتمييز عرقي لم تشهده البشرية في تاريخها، وتفوق العنصرية الصهيونية، والنازية، والعنصرية العرقية التي زالت بانهيار نظام الاقلية البيضاء في جنوب افريقيا وحتى عنصرية النظم «الكولونيالية» الغربية والامريكية. ولخطورة عنصرية «الاستنساخ» البشري خصص مؤتمر دوربان جلسات لمناقشة الاوجه الجديدة للعنصرية في عصر العولمة وثورة الجينات. وطرحت التساؤلات الأخلاقية والفلسفية حول مخاطر تطبيق الاستنساخ على البشر، ومنها مسألة حرية اقدار الاطفال المستنسخين وفقاً لتصميم «جيني» سواء برضا واختيار ابائهم، او طبقاً لمهارة وقدرة القائم بالاستنساخ. فمثلاً، ما ذنب طفل اراد له مستنسخه ان يولد على شاكلة الارهابي ارييل شارون، او غيره من اصحاب نظرية «انا اقتل فإذن انا موجود»؟! وموصول بالسؤال السابق، اين تقع حدود الابوة، خلال عملية الاستنساخ، ولمن ينتمي الطفل المستنسخ والمصمم معملياً، هل لأبيه ام لبائع «الجين» حامل الصفات الخارقة التي يراد للمولود ان يحملها؟ ومن أخطر وأعقد النقاط التي ستجلب الكوارث البشرية، لو أفلت دعاة الاستنساخ ونجحوا في تمرير عملهم، ان العالم سيتعرض لتقسيم عنصري وعرقي، يدخله نفق افناء ميراث الحضارة الاخلاقي، عندما يتاح لأثرياء العولمة دولاً وافراداً ان يستنسخوا اجيالاً تم تصميمها جينياً، لتحمل اندر الصفات واقوى العوامل التي تتيح لها السيطرة على العالم، والانفراد بقيادته، فيما تترك الشعوب والافراد في الجنوب الفقير النامي، للتوالد والانجاب الطبيعي، ليصبحوا ـ رغماً عنهم ـ خدماً وعبيداً لنخبة العولمة المستنسخة، والتي ستكون بطبيعتها عنصرية وارهابية تحركها غريزة اقرب لغريزة حيوان الغاب. e.mail-zhran73@yahoo.com