شعوب العالم تقف ضد الصهيونية والحكومات الغربية، وبغض النظر عن توصيات مؤتمر دوربان العالمي لمناهضة العنصرية وبيانه الختامي فإن أهم وأبرز نتيجة لهذا التجمع الدولي التاريخي هو انه أسفر عن هذا الفرز الخطير بصورة حادة ومباشرة، وبذلك يدخل مؤتمر دوربان التاريخ كنقطة تحول حاسمة في ساحة الصراع العالمي. والسؤال الذي يجب ان يطرح عربياً في مناسبة هذه النقلة العالمية لصالح الطرف العربي في سياق الصراع العربي الاسرائيلي هو: لماذا لم يفكر العرب في اتخاذ مبادرة لترتيب تجمع عالمي كهذا لحشد الصفوف العالمية على الصعيد الشعبي ضد الدولة الصهيونية وحلفائها من الطبقة الحاكمة الغربية، خاصة الولايات المتحدة؟ وينبثق عن هذا السؤال الماضوي سؤال مستقبلي: هل يستطيع العرب استخلاص المغزى الكبير لمؤتمر دوربان فيعمدوا إلى ترتيب «دوربان» ثانية وثالثة إلخ؟ بصوت جماعي واحد وفي وجه حكومات الغرب دمغ ممثلو أكثر من ثلاثة آلاف تنظيم سياسي شعبي من جميع أنحاء العالم الدولة الاسرائيلية الصهيونية بأنها دولة اجرامية ذات طبيعة عنصرية ترتكب بطريقة منظمة جرائم ضد الانسانية وممارسات الابادة الجماعية والتطهير العرقي. وبهذه النغمة العالمية القوية تتردد أصداء ماضٍ عربي مجيد انتظم عقدي الخمسينيات والستينيات عندما كان العالم العربي خلال العهد الناصري بؤرة لحركة التحرر الشعبي العالمية، فهل يمكن الآن استعادة هذا المجد بصورة عصرية استثماراً للرصيد الشعبي العالمي الضخم الذي عكسه مؤتمر دوربان؟ فيما يختص بالأنظمة العربية الحاكمة فإن أكثريتها تعتبر دمغ اسرائيل بالعنصرية وارتكاب جرائم ضد الانسانية وممارسة التطهير العرقي ضرباً من التهور لا يليق بسياسات «الاعتدال» التي تعتمدها تلك الأنظمة في التعامل مع الولايات المتحدة، القوة العظمى التي وهبت نفسها للحركة الصهيونية، وانطلاقاً من هذا الاعتبار فإن الأنظمة العربية تعتبر نفسها وفي أفضل الأحوال ورغم اسطوانة «المصير العربي المشترك»، أنها ليست معنية بالصراع العربي الاسرائيلي أصلاً. وإذا كان العمل الخارجي العربي على المستوى الرسمي عاجزاً لارتهانه إلى ارادة واشنطن، فماذا عن العمل الشعبي؟ بالمقارنة مع القرن المنصرم وخاصة خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، فإن الأحزاب والمنظمات العربية عموماً تعيش حالة انحسار واضمحلال بعد ان «تدجنت» تحت تأثير القمع الحكومي المنظم. ولذا فإن التعويل على توقعات بأن قادة العمل السياسي العربي على المستوى الشعبي ربما يلتقطون الخيط من حيث تركه مؤتمر دوربان من أجل استثمار الرصيد الشعبي العالمي وتطويره لمتطلبات المواجهة العربية ضد اسرائيل والولايات المتحدة هو افراط في التفاؤل. فالقادة الشعبيون في انحاء الوطن العربي بات كل تفكيرهم محصوراً في مجرد المحافظة على البقاء، بقاء تنظيماتهم على قيد الحياة السياسية وبقاؤهم على قيد الحياة الشخصية. هذا لا يعني الاستسلام لليأس تماماً، فهناك الانتفاضة الفلسطينية التي تنداح دائرة تأثيرها عربياً يوماً بعد يوم وفي الحقيقة فإن مناخ اليأس العربي العام هو الذي أدى إلى تفجر الانتفاضة كناية عن رفض هذا اليأس. ومع استمرار الانتفاضة الفلسطينية وتصاعدها، وبالتالي اتساع دائرة تأثيرها وهي تصارع آلة حربية تعادل وحشيتها أضعاف القمع الرسمي العربي فإنها تبقى مصدر إلهام للشارع العربي. وبإيجاز نقول ان أولويات العمل الشعبي العربي راهناً تقتضي تحرير نفسه قبل التفكير في الانطلاق على الصعيد الشعبي العالمي.