وأنا في طريقي إلى سرادق العزاء في وفاة عبدالسلام رضوان الذي مات في الكويت، تنبهت لأول مرة إلى ان الموت في الغربة يختلف عن كل موت، ويضفي على حزن الفراق طعماً يجعله مختلفاً عن كل حزن! لا تزال ذاكرتي الطفلة على الرغم من طوفان الزمان، تحتفظ بنظرة الحزن المركب التي كنت أراها في عيون أهالي قريتي، حين يدهمهم خبر وفاة أحدهم في بلاد الغربة.. تنعقد الألسنة ويسرح الأسى في الشوارع والأزقة ويحتشد الرجال جميعاً في مدخل القرية، ينتظرون وصول الجثمان، كأنهم يعتذرون لصاحبه، لأنهم لم يكونوا إلى جواره لحظة أدركه الموت، لكي يسبلوا عينيه، وينوبوا عنه في تلاوة الشهادتين إذا ما أعجزه النطق، ولأنهم لم يقوموا نحوه، بما يتوجب على الأحياء أن يقوموا به تجاه موتاهم.. أتذكر الآن وقفتي وأنا طفل في السابعة، بين زحام الرجال الذين احتشدوا في مدخل القرية عند الفجر، ينتظرون وصول جثمان جدي الذي مات بأزمة قلبية أثناء قضائه لإجازة صيف في رأس البر، وجلستي الصامتة الدامعة إلى جوار جثمان أمي، ثم جثمان أبي، اللذين كان علي أن أعود بهما في ظلام الليل في القاهرة التي ماتا فيها لكي يدفنا في القرية التي ولدا ـ وولدنا ـ فيها. وأتذكر ـ أيضاً ـ مصائر البشوات السبعة الذين تزعموا الثورة العرابية، ومات ثلاثة منهم في المنفى، لأكتشف انني ما زلت أحفظ النص الذي كتبه كبيرهم «أحمد عرابي باشا» آمر لواء الجيش في مذكراته عن وفاة أولهم، فقد كتب: «وفي هذا اليوم مات شهيد الوطنية والغربة عبدالعال حلمي باشا ودفن في كولومبو.. ومن فضل الله عليه ان الجو كان ربيعياً دافئا، وقد تجمعت أسراب من الطيور فوق نعشه، تسير بسير الجنازة، وحطت على قبره ونحن نستودعه أرض الله». دلفت إلى سرادق العزاء ورأسي مسكون بأخبار الذين ماتوا في المنافي: عبدالله النديم الذي ظل مختفياً في ريف مصر تسع سنوات طوال، يؤلف الكتب ويتبادل الرسائل مع أحمد عرابي في منفاه، وما يكاد الخديوي عباس حلمي يعفو عنه ويسمح له باصدار جريدة حتى يعود إلى المشاغبة فينفى إلى يافا، ثم إلى اسطنبول ليموت هناك، محمد فريد الذي ساح بين المنافي لمدة سبع سنوات إلى ان مات في برلين عام 1919م. وعجزت أسرته عن تدبير نفقات نقل جثمانه فتبرع بها تاجر من الزقازيق هو الحاج خليل عفيفي الذي سافر على نفقته إلى العاصمة الألمانية ليعود به بعد ان عز عليه ان يدفن محمد فريد في أرض غير الأرض التي تشرد دفاعاً عن كرامتها وحريتها واستقلالها وسعادة شعبها. عرفت «عبدالسلام رضوان» في منتصف السبعينيات ومع بداية موجة العداء الرسمي لمثقفي اليسار التي اتسم بها عهد الرئيس الراحل «أنور السادات» والتي أسفرت عن صدور تعليمات سرية بتجميد الذين يعملون منهم في مجالات الصحافة والثقافةصفي جريدة «الجمهورية» التي كنت أعمل فيها، قيل لي: أقعد في بيتكم وسوف تصل الماهية من غير علاوة ولا إنصاف. ولأنني لم أتعود أن أكون مشرداً أهلياً أو رسمياً، فقد بحثت عن شيء أفعله، وقبلت أن أدير وكالة للخدمات الصحفية، كان صديقي «سيد خميس» قد أسسها مع شريك له، واقترحت عليهما ان نضيف إلى أهدافها نشر سلسلة من الكتب بعنوان «دفاتر التاريخ العربي» إذ كانت ظاهرة مسح الذاكرة الوطنية والقومية ـ ولا تزال ـ تقلقني.. ورشح لي صديقي المستشار والمؤرخ «طارق البشري» كتاباً للمستعرب الأمريكي «ريتشارد ميتشل» عن الإخوان المسلمين، الذين كانوا قد عادوا للظهور على الخريطة السياسية المصرية والعربية، بعد اختفاء استمر عشرين عاماً، ولأن الكتاب كان دراسة أكاديمية محايدة، تخلو من التحامل على الإخوان أو الانحياز لهم، فقد تحمست لنشره، وبحثت عن مترجم أمين ومثقف ينقله إلى العربية.. والغالب ان «سيد خميس» هو الذي رشح لي «عبدالسلام رضوان» وكان أيامها مثلي مشرداً رسمياً، يكره التشرد، إذ كان يعمل ـ منذ تخرجه في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة عام 1969 سكرتيراً لتحرير مجلة «الفكر المعاصر» التي كانت تصدر آنذاك عن الهيئة العامة للكتاب ويرأس تحريرها المفكر المعروف الدكتور فؤاد زكريا إلى ان أدركتها جحافل اليمين التي استولت على أجهزة الثقافة في تلك المرحلة فأغلقتها بالضبة والمفتاح. وككل فلاح قراري لا يستطيع ان يعيش بلا عمل أو ان يستيقظ من النوم من دون ان يذهب إلى الغيط ليزرع فسيلته، فقد أقرني على ان من واجبنا ان نقاوم أية محاولة لتهميشنا، أو لحرماننا من ان نؤدي واجبنا تجاه الوطن الذي أحببناه، وتحمس للمشروع الذي عرضته عليه، على الرغم من اني حرصت على ان أوضح له بجلاء اننا نملك أحلاماً ولا نملك مالا، واننا سنغامر بالعمل ولا نستطيع ان نضمن النتيجة. في لقاءاتنا التالية بدا لي «عبدالسلام» الذي كان ينتمي إلى مرحلة مفصلية بين جيلنا والجيل التالي علينا، نموذجاً أفضل ما في الجيلين، فقد كان من النوع الصامت المتأمل قليل الكلام، عميق التفكير، جياش العواطف الذي يعنيه ان يحبك لا أن يعلن هذا الحب، والذي يهتم بأن يقوم بما يعتقد أنه واجبه لا أن يملأ الدنيا دعاية لما لم يقم به. كان ـ كما يقول صلاح عبدالصبور ـ عاطفاً لا عاطفياً.. مثقفاً لا ذرب اللسان! وعلى عكس كثيرين من المثقفين فقد كان منزهاً عن داء الرغبة في تلويث كل الناس، يتعفف عن اغتياب الآخرين، ويتعامل مع نقائصهم البشرية بسماحة صدر وطيبة قلب، ولأنه كان صفي النفس، لم تلوث قلبه موجدة، فقد كنت أشعر كلما جلست إليه بأن الدنيا بخير فتصفو نفسي وأغادره، وقد غسل قلبي بالثلج. وكان إلى ذلك يأخذ الدنيا بالجدية التي تليق بأصحاب الرسالات، حتى لو لم يكن الأمر واضحاً لديه تماماً، لكنه كان يهتدي إليه بقلبه وثقافته العميقة التي لم يحاول يوماً ان يستعرضها مفاخراً، أو ان يعتبرها ميزة تدعوه للتعالي على الآخرين وفي فترة قياسية ومن دون الحاح أو مطاردة أو ملاوعة أو مطالبة بمال، كان قد ترجم كتاب «ميتشل» عن الإخوان المسلمين ترجمة دقيقة وأمينة، بصرف النظر عن قلة الأجر المادي أو المعنوي، الذي ينتظره منه، كما ينبغي لإنسان يعنيه أن يجود عمله، وان يتقنه، لأن هذا هو الواجب بصرف النظر عن أية تفاصيل أخرى. وتأخر نشر الكتاب بسبب قلة ذات اليد، إلا ان عبدالسلام لم يفقد حماسه وجاءني ذات يوم بكتاب آخر للمستشرق السوفييتي «ليفين» عن تطور اتجاهات الفكرالسياسي والاجتماعي في الشرق العربي في بداية القرن الماضي واقترح ان يترجمه لذات السلسلة، ومع ان اختيار العنوان بدا لي ذكياً، فقد صارحته بما يواجهنا من عقبات مالية، لكنه لم ينكص، واستثار حماسي للمواصلة قائلاً: ان علينا ان نقوم بما نعتقد انه واجبنا بصرف النظر عن العقبات ومن دون حساب للنتائج، وخلال شهور قليلة، كان قد ترجم الكتاب الثاني، بينما كان قد اضطررنا للتنازل عن الكتاب الأول لناشر آخر بعد ان عجزنا عن تمويل اصداره، ثم وقعت أحداث 18 و19 يناير 1977، واضطررت للهرب عدة شهور، ثم لقضاء شهور أخرى في السجن، خرجت بعدها لأجد المشروع أطلالاً. واختفى عبدالسلام رضوان لمدة عام أو عامين، ربما يكون قد سافر خلالها للعمل في احدى الدول العربية، أو عاد إلى عمله مشرداً رسمياً في هيئة الكتاب، لكنني وجدته فجأة أمامي يعلن لي انه أسس داراً للنشر باسم «دار الفكر المعاصر»، وانه سيصدر سلسلة من الكتب، ومجلة غير دورية، وبدون ترخيص بالاسم نفسه، ويطلب مني مقالاً للمجلة وكتاباً للسلسلة، وحين ذكرته بأطلال المشروع الذي أقمته وشارك فيه، كرر علي القول بأن علينا ان نقوم بواجبنا، لا أن ننشغل بالعقبات، وقال: لو حسبناها فلن نفعل شيئاً على الاطلاق، وهذا مستحيل، ولم أستطع ان أرد له طلباً، ولم يستطع أحد غيري من الكتاب والمثقفين من جيلنا ومن أجيال أخرى سبقتنا ولحقتنا ان يرد له طلباً. كتب الجميع بلا أجر وبلا مناقشة، كنا جميعاً بين مشرد أهلي ومشرد رسمي، وبين سجين ومنفي، وكنا ندرك ان «عبدالسلام» لم يقم بمشروعه لكي يتكسب من ورائه، ولكنه فقط يقوم بما يعتقد أنه واجبه وواجبنا، كان الظلام في تلك السنوات يزحف بقوة مخيفة على ثقافة الوطن، وكنا ـ وكان ـ حريصين على ان تضيء بين طياته المتكاثفة شمعة مهما كانت الريح عاتية. ومع ان دار الفكر المعاصر أصدرت عددين من مجلتها وأصدرت سلسلة من الكتيبات تضم مجموعات قصص ودواوين شعر ودراسات في الفكر والتاريخ وعلم الجمال، إلا انها لم تستطع ان تصمد في السوق، وأفلست بعد قليل، ولم يأسف «عبدالسلام رضوان» لأنه باع كل ما يملكه، وأنفقه عليها، كان فقط يشعر بالرضى لأنه قام بما يعتقد انه واجبه، وكان كل ما يشغله هو ان يبحث عن وسيلة أخرى لكي يواصل أداء هذا الواجب. وذات يوم من عام 1980، عهدت إلي لجنة «الدفاع عن الثقافة القومية» وهي لجنة جبهوية مستقلة تشكلت لمقاومة التطبيع الثقافي مع اسرائيل الذي التزمت به مصر، بموجب المعاهدة التي وقعت بين البلدين، باصدار نشرة باسمها اخترت لها اسم «المواجهة» وبعد ان انتهيت من تجميع مادتها بحثت عن جهة أصفها فيها على الآلة الكاتبة، لنصورها بعد ذلك بطريقة الماستر، التي كان المثقفون اليساريون يلجأون إليها لمقاومة الحصار المفروض عليهم في تلك السنوات الكئيبة، وذهبت بأصول النشرة إلى مقر دار الفكر المعاصر، وكان مجرد غرفة فقيرة في بناية قديمة تطل على ميدان عابدين، فوجدت عبدالسلام رضوان مشتبكاً في نقاش مع عدد من الدائنين من أصحاب المطابع وأصحاب محلات بيع الورق الذين جاءوا يطالبونه بما تراكم عليه من ديون، بسبب شغفه الدائم بالقيام بما يظن انه الواجب، وحين حدثته في الموضوع تسلم الأصول من دون أي كلمة، وبعد يومين اتصل بي ليقول لي: «الأمانة» جاهزة. ووجدت الأمانة قد أنجزت بأمانة، على النحو الذي عهدته دائماً في عبدالسلام رضوان، كان واضحاً انه أشرف بنفسه وبدقته المعهودة على مراجعة الصف والاطمئنان إلى خلوه من الأخطاء النحوية والمطبعية، وإلى تنفيذ كل ما طلبته من مواصفات، وتجاهل كلمات الشكر التي وجهتها له، وحين قلت له اننا كنا قد رصدنا في اللجنة مبلغاً متواضعاً لتكلفة صفها، وتمنيت عليه ان يقبله، نظر إليّ نظرة عتاب طويلة، غادرت بعدها المكتب وأنا أتعثر في خجلي، حتى كدت أصطدم بدائنيه على سلم البناية. وعلى امتداد السنوات التالية كنت ألتقي به أحياناً في مقهى، أو يتصل بي هاتفياً لكي يسألني عن شيء، وكنت أسمع أحياناً أنه سافر إلى هذا البلد أو ذاك، إلى ان استقر به التجوال منذ بداية التسعينيات في الكويت، حيث تنقل بين مجلة العربي وسلسلة عالم المعرفة، ومجلة الثقافة العالمية ومجلة «عالم الفكر». وكنت أتابع ما يترجمه بقلمه من كتب أو مقالات، وأتعرف على اختياراته الذكية فيما يترجمه أو يكتبه غيره، سعيداً بأنه وجد أخيراً مكاناً يستوعب طاقته الهائلة، ويشبع رغبته العارمة في ان يستيقظ كل صباح فيذهب ـ ككل فلاح قراري ـ إلى الغيط، لكي يروي شجرة أو يزرع فسيلة، فإذا زحف الظلام أضاء شمعة غير عابئ بالعواصف، ومن دون ان يكثر الكلام. وقد ظللت طوال ذلك الزمن أدهش لأنه اختار ان يترجم، ولم يحاول أبداً أن يؤلف كتاباً، على الرغم من تفوقه في الدراسة، إذ كان الأول على دفعته في قسم الفلسفة عام 1969 وعلى الرغم من ان تأليف الكتب أصبح ـ في زماننا ـ مثل شكة الدبوس، يستسهله المبتدئون من صغار الكتاب وناشئة الصحفيين، وربما كان السبب انه كان شديد التواضع يكاد يخلو من أي غرور أو ادعاء، وربما لأنه بسبب ثقافته العميقة وقراءاته الموسعة، أدرك ان تأليف الكتب ليس لعبة، ولكنه دور، وربما لأنه تصور ان ما يترجمه أكثر فائدة للوطن وللناس، مما قد يؤلفه، ولعله كان يتوهم ـ مثلنا جميعاـ انه لا يزال في العمر بقية، يتفرغ فيها لهذه المهمة. أسئلة كثيرة كانت تشغل ذهني، بينما كنت أتأمل الجالسين حولي في سرادق العزاء ، وكانوا خليطاً من مثقفي الستينيات والسبعينيات، جيل مجلات الماستر وثقافة المقاومة، قادة طلابيون، وصحفيون وأدباء وأساتذة جامعات، لا يخلو سجل أحدهم المهني من سنوات فصل وتجميد وتأشيرات تسكع بين عواصم العالم، حين ضاق صدر الوطن ببعض أبنائه، وحين كان الخيار هو ان تؤيد أو تهاجر، أو تبقى وتعارض وتتحمل كل النتائج. اكتهل الشباب، وشاخ الكهول، وقال واحد: لم نعد نلتقي إلا في المآتم، ترى في مأتم من منا سوف نلتقي في المرة المقبلة؟ وحين عدت من سرحتي وجدتهم يتحدثون عن أبناء «عبدالسلام رضوان» الذين تركهم زغب الحواصل بلا ماء ولا شجر، فقد تمزقت سنوات خدمته الحكومية ـ في هيئة الكتاب ـ بين الاعتقال والمنفى الاختياري، وكان عقده مع حكومة الكويت عقداً من الدرجة الثالثة لا يستحق صاحبه مكافأة أو معاشاً، فمن يتحمل الآن مسئولية أبناء الرجل الذي أمضى عمره يؤدي ما يعتقد انه واجبه تجاه الوطن، وعاش من دون ان يدخر قرشاً أو ديناراً أو يحوز سهماً أو عقاراً، ثم مات من دون ان يترك لأبنائه ما يستطيعون به إكمال تعليمهم؟ قال واحد: حكومة الكويت!، قال آخر: بل حكومة مصر ولا أحد سواها، سألني ثالث: هل تستطيع ان تخاطب فاروق حسني وزير الثقافة لكي يتدخل لدى الدكتورة أمينة الجندي وزيرة التأمينات لكي تستصدر له من مجلس الوزراء قراراً بمعاش استثنائي؟ قلت: أستطيع أن أكتب لكليهما، ولحكومة الكويت، ولكل من يعنيه الأمر. أما وقد فعلت: فقد آن الأوان لكي أبكي صديقاً جميلاً.. عاش في صمت .. ومات في صمت.. وترك لنا حزناً يختلف عن كل حزن، ليس فقط لأنه مات، بل لأنه ـ أيضاً ـ مات في الغربة! كاتب صحفي