كاتب هذه السطور من جيل لم يدُر في ذهنه حتى تخرّج من الجامعة أن هناك من أبناء وطنه من يدرس في غير المدارس الحكومية التي درس فيها ومدى علمه أن المدارس الخاصة لم تكن إلا لغير العرب من الوافدين على هذا البلد، لذلك فإن ذلك الجيل لا أظنه يعرف معنى للمدرسة ولا طعماً للدراسة في المدارس الخاصة وإن كان هو بعد ذلك ساق أولاده إليها، والسبب في ذلك الارتباط النفسي وتلك الذكريات الباقية في نفسه من أيام دراسته الأولى. بل لعلّ الأمر أكبر من ذلك وهو أن الدراسة والتعليم كانا يوماً ما جزءاً من الإحساس بالوطنية والهوية لنا فإننا ما كنا لنحس بمعنى الوطنية إلا في مدارس الحكومة التي تعلمنا فيما تعلمنا معنى الوطنية والانتماء ولا أدري إذا كنا استغنينا عن تلك الدروس غير المباشرة في مدارسنا القديمة عن حب الوطن الصغير والكبير ولا أدري هل حل محل ذلك ما يقدمه الإعلام المسموع والمرئي من دعم لذلك الشعور عبر أغنيات المغنين بدلاً من قصائد كبار الشعراء في المدارس الأولى وعبر نماذج المدرّسين الأوائل الذين كانوا يحملون ذلك الشعور في أرواحهم قبل أن يلقوا على تلاميذهم دروساً. ولعل الفرق واضح بين أن تتلقى درساً غير مباشرٍ عن الانتماء عبر مدرّسك المغمور بذلك الإحساس طول عام دراسي كامل وبين مطرب يغني قصيدة لا يفهم كثيراً من معناها عن الوطنية وربما لا يحمل شيئاً من معانيها. هذا لا يعني أن المدرسين الأوائل في المدارس الحكومية هم الذين كانوا يحملون مشاعر الوطنية ويدرّسونها بأرواحهم لطلابهم وأن المدرسين الآن ليسوا كذلك بل إن الأمر غير ذلك وهو أن التدريس وقتها لم يكن حرفة منفصلة وحدها بعيدة عن السياق العام للمجتمع، بل كان التدريس وقتها مهنة أصحابها مشحونون بما كان يسود ذلك المجتمع العربي وقتها من إحساس بالوطنية والاعتزاز بالأرض والوطن والمجد العربي الإسلامي الضارب في التاريخ. وكان أكثر المدرّسين يسودهم الشعور بأن شحن طلابهم بما يحملون في أرواحهم واجب عليهم قبل التعليم لذلك كانت التربية قبل التعليم. وبالمقابل كان للمعلم احترامه وتقديره بقدر ما يحمل من شخصية جادة واضحة، جادة بغير قسوة وواضحة بغير ضعف وتهاون. ألا تشاركونني الرأي أن شيئاً ولو يسيراً من ذلك قد فُقد؟! وطني وطني حديث الشجو في أجفاني ورفيف همس الوجد في آذاني وطني العيون الحاضنات على الهوى موجاً يضم شواطئاً لمواني وطني العيون المغْضياتُ على رؤيً ظمآنةٍ في خاطري وكياني وطني الشفاه الظامئات إلى منيً باتت تسامرُ رقة الشطآنِ