أحكمت محطات الـ «إف.ام» قبضتها على موجات المذياع حتى كاد يتحوّل الإرسال الإذاعي اليومي إلى شريط غنائي يردد على مدار الساعة أغنيات مكرورة ويروّج لألوان الفن الهابط والبضاعة الموسيقية الرخيصة. وكان المذياع ملاذنا الأخير بعد أن سقطت معظم قنواتنا الفضائية في مطب الإسفاف وانساقت خلف قوانين العرض والطلب التجارية، إلا أنه باستسلامه للموجة نكون قد فقدنا أحد مجسات العمل النوعي ومقياساً من مقاييس الذوق الرفيع. إن الإذاعة بوجه عام لم تفقد دورها في عصر الفضائيات العربية والعالمية لأنها تعاملت مع هذه المستجدات بذكاء بأن هربت الى المحلية والتخصص، بمعنى أصبحت الإذاعة تركز على القضايا المحلية التي تهم المواطن وتقدم له الخدمات التي يحتاجها، كما غرقت في التخصص بأن أصبحت هناك محطات إذاعية تقدم الأخبار فقط وأخرى لتقديم أنواع معينة من الموسيقى وهكذا، هذا التخصص جعل هناك ارتباطاً كبيراً من جانب المستمع بالإذاعة ولم تستطع الفضائيات أن تجذبه إليها بالصورة التي كان البعض يتوقعها. ففي سويسرا يشهد الإقبال على المحطات الإذاعية عصره الذهبي رغم الاهتمام المتزايد بالتلفزيون والانترنت والوسائط المتعددة. إذ يستدل من تقرير جديد نشر في إحدى الصحف ان تسعة أشخاص من بين كل عشرة في سويسرا يستمعون إلى الإذاعة، وبلغت نسبة البالغين الذين يستمعون إلى الإذاعات 92%. وحسب التقرير الذي نشرته إذاعة «راديو كونترول» فإن 57% من سكان هذه الأقاليم الناطقة بالألمانية يستمعون يومياً إلى الإذاعات الخاصة، بينما يستمع 46% منهم إلى إذاعات أجنبية يمكن التقاط بثها محلياً. وتأتي هذه البيانات في الوقت الذي يشهد فيه الإقبال على ارتياد شبكة العنكبوت الإلكترونية ازدهاراً كبيراً في سويسرا، الأمر الذي يشير إلى أن الشبكة لن تترك انعكاسات سلبية تذكر على الاستماع إلى الإذاعات. إزاء ذلك نتساءل عن دور الإذاعات العربية وعن قدرتها على المنافسة في ظل هذا الزخم الإعلامي العالمي وفي ظل انتشار الفضائيات، وعن سبب عجزها عن اللحاق بالإذاعات العالمية الموجهة، وبمستواها وتركها مستمعيها نهباً لتلك الإذاعات. إن الاتجاه السائد في تخصيص محطات الـ «إف.إم» لترويج الأغنيات فحسب أمر يثير استياء قطاع كبير من المستمعين، ذلك انه لم يأخذ في الاعتبار تعدد الميول والاتجاهات في المجتمع الواحد وبالتالي حكم على هذه الشريحة مقاطعة ما يتم بثه عبر أثير الموجات القصيرة! خالد درويش