تضعنا حكاية النصّاب الذي خدع ست فتيات بزعم الزواج منهن، تضعنا هذه الحكاية بكل غرابتها وسذاجة أسلوبها أمام مواجهة جديدة لظاهرة العنوسة التي استشرت في مجتمعنا وأوصلته الى مخاطر متعددة ليس آخرها عملية النصب التي جمع فيها ذلك الرجل مليوناً و200 ألف درهم من مواطنات كن يسعين إلى الزواج هروباً من فخ العنوسة وآثارها المدمرة. وإذا كان الرجل النصّاب ـ وهو بالطبع مفرغ من كل صفات الرجولة ـ قد اعتمد أسلوباً لا يمكن وصفه بالذكاء والدهاء، فإن تورط الفتيات في دفع هذه المبالغ الطائلة على أمل الفوز بعريس يعبّر عن سذاجة شديدة تكاد تقترب من البلاهة، ورغم ذلك كله إلا أن القضية تبقى مثيرة ولافتة للأنظار وبالتالي لابد وأن تكون موضع دراسة وبحث مستفيضين لمحاولة الوصول إلى حلول لكل مشاكل العوانس. وهذا بالطبع حقهن على المجتمع، من أجل تخليصهن من وضع اجتماعي تشير الإحصاءات الى أن أعداداً كبيرة من بنات البلاد يعانين منه، ومنهن بالطبع المواطنات الست اللواتي وقعن في شبكة العنوسة أو تأخر الزواج، رغم كل ما تبذله الجهات الرسمية من جهد لتخفيف حدة هذه المشكلة ومحاولة القضاء عليها بطرق عدة لعل أهمها المنح التي يقدمها صندوق الزواج للشباب لدفعهم للارتباط ببنات الوطن. ولكن كما يعلم الجميع فإن الظاهرة لا تزال تكشّر عن أنيابها وتداعياتها كل يوم في ازدياد ما ينذر بكثير وأخطر من الوقوع في براثن النصب والاحتيال المالي. ولكن مهما كانت الأسباب، فلا عذر للفتيات فيما وقعن فيه لأن من يملك عقلاً لن يصدق تلك الهراءات والأكاذيب التي رددها ذلك النصّاب وهو يعدهن بالزواج محيطاً نفسه بهالة من الأهمية وموهماً إياهن باعتلائه مكانة مرموقة في المجتمع رغم انه ليس من أهل البلاد، والأدهى انه استكمل إطاره المزيّف بعملية نصب أحكم شراكها بأن لجأ الى «خروفة» من الأساطير تصدقها الساذجات من النساء وهي وقوعهن تحت تأثير السحر أو العمل أو كما يسمى محلياً «سوا» الذي يمنع زواجهن وبالتالي عليهن دفع مبالغ مالية لفك هذا السحر. و«المسكينات» صدقنه واستجبن لمطالبه المادية واستمرأ هو الآخر هذا الطريق ومضى فيه بقوة وسرعة عاليتين قبل أن يوقفه بلاغ تقدمت به اثنتان من الفتيات الست تتهمانه بالنصب عليهما. وشخصياً لا يمكنني تصور كيف واتت الجرأة الفتاتين عندما تقدمتا ببلاغهما إلى الشرطة ـ وإن كان هذا هو الصواب بالطبع ـ لأنه ليس هناك من هو أقدر من رجال الشرطة على إعادة الحقوق إلى أصحابها، ومنع وقوع المزيد من هذه الممارسات الجانحة. وإن كنت أستنكر ما فعله الرجل فإن لومي للفتيات أنفسهن أكبر وأشد خاصة وانهن قد جعلن ما يملكن مالاً سائباً، وكما يقولون، فإن المال السايب يعلم السرقة، ولا أظن أن أحداً يتوقع أن يترك نصّاب أو أمثاله من أصحاب النفوس الضعيفة فرصة ذهبية للكسب السهل السريع ويقول: لا أريد، أو يقول: حرام أو حتى دعوني أفكر! بل على العكس تماماً هو ما سيستسيغ السير في هذا الدرب الممهد مستخدماً فيه أساليب ملتوية من الحيل والخداع وزيادة رقعة الواقعات في هذا الشرك متخذاً لنفسه شعاراً لا يحيد عنه وهو «هل من مزيد»؟! تاركاً الضحيات يندبن حظهن ويعضن أصابعهن ندماً وحسرة لضياع العريس المرتقب وخسارة المال. ولا أدري بالتحديد مستوى الضحايا التعليمي، ولكن لا شك أن الكارثة ستكون أكبر وجرعة المرارة أشد لو كنّ من المتعلمات أو الحاصلات على مؤهلات عالية لتكون بذلك مصيبتنا أعظم وأجل. وإن كان كشف ذلك لا يحتاج لعلم أو شهادة فالمسلسلات التلفزيونية كافية لمعرفة عمليات النصب التي يمارسها النصّاب. فيما تساءل الظرفاء أو على الأصح الظريفات وانضمت إليهن المقاسيات من جور الرجال: وهل هناك امرأة عاقلة تدفع لتشتري الهم و الغم لنفسها وبحر مالها. ونقول يا فتيات الوطن انتبهن فموضة النصب تتجه هذه الأيام نحو أسمى العلاقات الإنسانية لتصيب كل من تسعى للزواج، ولكن يبقى من حسن حظ مجتمعنا ان مرتكبي هذا النصب ليس من أهله. فليس من شيمة أشد شباب الديرة عوزاً وفقراً استغلال الفتيات لأنهم ببساطة من تراب الأرض ويعرفون قيمة بناتها. Email: fadheela@albayan.co.ae