الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي يقول ان تقرير المصير لجنوب السودان «شيء خطير»، لكن هذا الزعيم العربي الذي جعل من القارة الافريقية الأولوية العليا لتوجهات سياسته الخارجية، لا يقدم لنا بديلا عمليا لكيفية تسوية مشكلة الجنوب السوداني سياسيا وسلميا بصورة نهائية على اساس وضع نهاية للحرب الدائرة هناك. ان ليبيا القذافي تتشارك مع مصر، كما هو معلوم، في مشروع سياسي اطلق عليه «المبادرة المشتركة» لجمع كل الفرقاء السودانيين ـ شماليين وجنوبيين ـ للاتفاق في مؤتمر حوار سياسي يعقبه مؤتمر دستوري، على حل سياسي شامل للأزمة السياسية المزمنة القائمة بين النظام الحاكم وتنظيمات المعارضة، بما في ذلك مشكلة الجنوب. واذا كان زعيم «الحركة الشعبية لتحرير السودان» جون قرنق يسعى لاجهاض مشروع «المبادرة المشتركة» بوسائل غير مباشرة عن طريق تقديم مطالب تعجيزية، فإن العقيد القذافي برفضه مقدما مبدأ تقرير المصير لشعب جنوب السودان يكون قد اعطى قرنق اكبر مبرر في سعيه رفض المبادرة من اجل نسفها. ان الهدف الاستراتيجي الثابت لحركة قرنق، كما بات معلوما للداني والقاصي، هو استمرار الحرب الجنوبية الى الابد كأداة لإضعاف النظام المركزي في الشمال (بغض النظر عن الهوية السياسية لنظام الحكم في الخرطوم) عن طريق مواصلة استنزاف الشمال اقتصاديا وماليا. ولتغطية هذا الهدف الاستراتيجي الاعظم بما يبرر للناظرين رفض «الجيش الشعبي» عدم التجاوب مع اي نداء لوقف الحرب او حتى وقفا مؤقتا لاطلاق النار، فإن قرنق يلجأ الى اسلوب الرمال المتحركة. فعندما يعرض عليه حل سياسي يرتكز الى مبدأ المحافظة على وحدة السودان فإنه يطالب بتقرير المصير. وعندما يعرض عليه تقرير المصير فإنه يعود الى دعوة الوحدة في اطار «سودان جديد». وهكذا بأسلوب المناورات، تعامل قرنق مع «المبادرة المشتركة» من اول وهلة وحتى الآن. فقبل اسبوع واحد من اعلان مشروع المبادرة كان قرنق يبشر في تصريحات متلاحقة بدعوة الوحدة. «انا وحدوي»، هكذا اعلن على رؤوس الاشهاد. ولكن بمجرد ان اعلنت المبادرة كانت اولى الملاحظات التي أبداها قرنق هي ان مشروع المبادرة لا يتضمن حق الجنوبيين في تقرير المصير. ان الزعيم الجنوبي يدرك ان كلا من دولتي المبادرة ـ مصر وليبيا ـ تتخوفان من احتمال انفصال جنوب السودان، وبالتالي تعارضان مبدأ تقرير المصير لأنه ينطوي على احتمال الانفصال (بين الاحتمالات الاخرى)، ورغم ذلك فإن القاهرة وطرابلس ظلتا حريصتين على عدم المجاهرة رسميا بمعارضة كل منهما لتقرير المصير. لكن ليبيا خرجت الآن عن هذا الحذر، وبالتالي فإن طرابلس اضفت مصداقية دون ان تقصد على تحفظ قرنق على المبادرة باعتبار انها تخلو من مبدأ تقرير المصير. لقد قال العقيد القذافي في سياق خطابه بمناسبة الاحتفال بذكرى الثورة الليبية هذا الاسبوع «إن اصرار اشقائنا في الجنوب على المطالبة بحق تقرير المصير شيء خطير» وقال: «اذا قبلنا بتقسيم السودان فهذا يعني اننا سنقبل بإعادة النظر في خريطة القارة الافريقية بأكملها». واذا كان العقيد القذافي بهذا الاعلان الصريح منسجما مع اجندته وأولوياته الخارجية بشأن «الاتحاد الافريقي، فإنه يكون من ناحية اخرى قد حرر شهادة وفاة «المبادرة المصرية الليبية» او على الاقل اعطى جون قرنق افضل مبرر لاطلاق رصاصة الرحمة عليها. من هنا سوف يلتقط قرنق الخيط ليقول ان ليبيا ومعها مصر تدعوان الفرقاء السودانيين الى حوار وطني فيما بينهم، بينما هما برفضهما تقرير المصير لجنوب السودان حسمتا الحوار مقدما. ومن ثم يستطيع قرنق ان ينتقل بمماحكته تجاه «المبادرة المشتركة» الى رفض صريح لها دون ان يستشعر حرجا فقد كفاه العقيد القذافي مؤونة الحرج.