منظمة (أتاك) ATTAC العالمية وغير الحكومية فرضت اسمها ووجودها وبرنامج عملها في ظرف عام واحد، اكبر المنظمات المناهضة للعولمة والمتصدية بقوة واصرار لمنظمة التجارة العالمية، اصبحت في ظرف سنة واحدة الرمز المعترف به والمحمل بالمصداقية لحركات فكرية وسياسية واقتصادية وزراعية وثقافية مختلفة يجمع بينها رفض مشروع العولمة كما تسوقه المنظمة العالمية للتجارة. منظمة (أتاك) هذه فرنسية الميلاد فهي تعني بحروفها الاولى: (جمعية فرض الضرائب على العمليات المالية من اجل اعانة المواطن)، وهو عنوان معقد لفكرة واضحة بسيطة هي المناداة بفرض رسوم عالمية على كل العمليات المالية الكبرى العابرة للقارات، من اجل رفع مستوى الناس اينما كانوا ومساعدتهم على تحمل نفقات وتبعات العولمة بوجهها الامريكي الرأسمالي الذي تقول عنه منظمة (أتاك) انه وجه متوحش. هذه المنظمة عقدت مؤتمرها من 24 الى 28 اغسطس في مدينة (ارل) الفرنسية، وناقشت على مدى اربعة ايام بلياليها كل القواعد الفكرية المؤسسة لهذه الحركة واستعدت فيما يبدو لما سيقدمه مؤتمر المنظمة العالمية للتجارة الذي سينعقد في مدينة الدوحة عاصمة دولة قطر في شهر نوفمبر المقبل، والذي سيكون حاسما لانه سيواصل اجندة هذه المنظمة العالمية واجندة الدول الاكثر ثراء ورفاهية وقوة اقتصادية في مجالات التنمية الدولية اي المتخطية للحدود الوطنية والقومية والمرتكزة اساسا على اقتصاد السوق الحرة وحرية المبادلات والغاء الجمارك والضرائب والدخول بالاقتصاد العالمي في مرحلة العولمة المتقدمة وما بعدها اي في الواقع سيكون مؤتمر الدوحة سريع الانطلاق الحقيقي نحو عالم جديد تماما وهذا العالم هو نموذج مايزال يلقى المناهضة والنقد والرفض، وهو ما اكده مؤتمر منظمة (أتاك) في مدينة (أرل) وما عشته بنفسي متنقلا من لجنة الى لجنة لأتعلم اشياء كثيرة نادرا ما اظهرتها وسائل الاتصال الدولية الكبرى، ولكن فرضتها تلك التظاهرات والمظاهرات التي عاشها العالم في مدينة «سياتل» الامريكية ومدينة «نيس» الفرنسية ومنذ اسابيع قليلة في مدينة «جنوة» الايطالية. لاحظت في مدينة (أرل) الفرنسية ان ابرز شعار رفعه المناهضون للعولمة هو: لا لدكتاتورية المال، هذا الشعار رفعه المشاركون في لافتة زينت قصر المؤتمرات في مدينة (أرل) الجميلة والتي تقع قرب نهر الراين الذي يوحد اوروبا جغرافيا قبل وحدتها السياسية ومقابل هذه الدكتاتورية المالية المرفوضة يقترح المشاركون ما يسمونه: «سيادة اقتصاد عالمي ذي اهداف انسانية». فهل من السهل زعزعة الشركات الكبرى المهيمنة على الاقتصاد العالمي وتغيير اساليب عملها وتوجهاتها نحو غايات انسانية؟ ثم كيف يحدد هؤلاء المناهضون تلك الغايات الانسانية؟ عن هذه الاسئة يجيب الاستاذ الدكتور روني باسي، استاذ الاقتصاد في جامعة باريس الاولى ورئيس الهيئة العلمية لمنظمة (أتاك) قائلا: «ان الاقتصاد العالمي كما تخطط له الشركات العملاقة ومراكزها البحثية الصالحة للتنظير، هو الاقتصاد المنتج للثروة والمنتج لرفاهية اصحاب رؤوس الاموال فيها، على حساب الجوانب الاجتماعية لجموع المواطنين العاملين في تلك الشركات والمستهلكين لانتاجها، ولا يكتب لهذه الشركات العملاقة فرض هذا الاقتصاد «العالمي الجائر» إلا بتحييد او سحق العاملين والمستهلكين والنخبة المفكرة الرائدة، هذا هو المثلث الذي يعاني قهر العولمة، وهو ما يهدد مصير الانسان المعاصر، اي مصير الانسانية لانه تدريجيا يضطر العالم الى فقدان منظومة العواطف والمباديء التي هي من امر الاديان تعززها في المجتمعات المدنية حركات حماية البيئة والانتصار للطبيعة». ويضيف الاستاذ روني باسي قائلا: «ان منطق الربح السريع بدأ ينتشر كغاية وحيدة للتنمية، مخلفا وراءه انقاض بشرية ضائعة بلا هدى وبلا بوصلة تطحنها شركات عملاقة تتسابق اكثر فأكثر الى ربح اسرع فأسرع. ويتكلم عالمان من علماء مناهضة العولمة المتوحشة في هذا المؤتمر وهما ميشال ميسون وجاك نيكونوف، الاستاذان بجامعة باريس الثامنة فيقولان: «يجب ان نعالج أصل الداء، وأصل الداء هو المتمثل في العمليات المالية الكبرى الظاهرة والباطنة التي تقوم بها شركات كبرى لابتلاع شركات اصغر مثل شركة (دانون) لتصنيع الحليب ومشتقاته والتي سنت سياسة بلع وهضم عدد كبير من الشركات الوطنية في العالم الثالث متخصصة في نفس الميدان، مما ادى الى تسريح عشرات الالاف من العمال ونهب انتاج مئات الالاف من المزارعين الموزعين في البلاد الفقيرة: دول الجنوب، وهذا نموذج لفرض «تنمية» لرأس المال يستفيد منه عدد صغير هو عدد اصحاب رأسمال شركة (دانون) وتذهب ضحاياه اعداد كبيرة من المزارعين والعمال والمستهلكين، لان المستهلكين سوف يحرمون من المنافسة التي تخفض الاسعار في الاسواق ماداموا سيستهلكون فقط منتجات (دانون) حتى ولو تعددت اسماؤها!! يضيف هذان الرجلان قائلين: «ان فرض ضرائب عادلة ودولية على العمليات المالية سوف يحد من شراهة بل وشراسة الشركات العملاقة، ويزود المنتجين الصغار والمستهلكين الصغار بعائد مالي يخفف من مصابهم ويجعلهم مواطنين لا مستهلكين، ويجعل المجتمعات خلايا انسانية لا اسواقا بلا روح». والى كل هذه الاصوات في مدينة (أرل) الفرنسية يضاف صوت جهوري معروف وصاحبه هو الزعيم الزراعي المشهور جوزي بوفي الذي يقود منذ سنوات تظاهرات الجمعيات المناهضة للعولمة، يقول جوزي بوفي: «نحن في اوروبا بلدان عريقة مختلفة عن الولايات المتحدة الامريكية ولدينا مزارعون تقليديون يرفضون الزراعات المعدلة وراثيا ويرفضون علف الحيوانات الصناعي، لاننا نرى يوميا النتائج الكارثية لهذه التشويهات على صحة الانسان بأمراض مثل جنون البقر والحمى القلاعية وحتى امراض الموت الابيض التي تقتل الشعاب المرجانية في البحار والمحيطات نتيجة تلويث المحيط البحري بالمخلفات وتسربات النفط والصيد السمكي العملاق في اعالي البحار وكل ذلك نتيجة البحث اللاهث عن الربح السريع دون اي اعتبار لمصير الارض التي هي مركبنا جميعا». هذه هي اهم الافكار المطروحة في مؤتمر منظمة (أتاك) العالمية استعدادا لمؤتمر وزراء منظمة التجارة العالمية الذي ستشهده لاول مرة عاصمة خليجية هي الدوحة في نوفمبر المقبل، والمهم هو ان هذه الافكار غيرت قواعد الحوار بين العولمة ومناهضيها فلم نعد نشهد مظاهرات عنيفة كالتي وقعت في مدينة (جنوة) الايطالية، بل اصبحنا نلاحظ عملا علميا واكاديميا واعلاميا رصينا يتبارى فيه علماء جديون ينذرون الناس بمخاطر العولمة كما يخطط لها العالم الغني وكما تتبناها العقيدة السياسية الامريكية الرسمية. وهذا التوجه العلمي بدأ يأخذ حظه في الجامعات ووسائل الاتصال ومراكز البحوث، وحتى الحكومات الراعية مثل الحكومة الفرنسية التي طالبت رسميا بتدريس هذه الافكار في المدارس الثانوية والجامعات وفتحت قنوات الحوار مع مناهضي العولمة. ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر