من يتأمل الموقف الامريكي من جدول أعمال مؤتمر دوربان وماشهدته مرحلة الاعداد له، لا يدهشه فقط موقف سياسي منحاز على حساب الحقوق الثابتة للفلسطينيين. بل الاستمرار في انكار انسانية ابناء الجنوب، ومن ثم حقوقهم. فقضية العبودية ومسئولية الغرب عنها أخلاقيا وسياسيا من القضايا التي يشكل التنكر لها برهانا قويا على أن علاقات الشمال الجنوب مازالت تحكمها أخلاقيات استعمارية ورثت الاستعمار التقليدي، والولايات المتحدة بهذا الموقف تثبت أن معركتها للسيطرة على مؤسسات الأمم المتحدة لم تتوقف. وهي بذلك تعيد للأذهان ذكريات كان كثيرون يأملون نسيانها عندما انسحبت من منظمة اليونسكو لسنوات، وسعت بكل الوسائل لأن تنزع عنها صبغتها التي كانت تتسم بتعددية حقيقية في عهد أحمد مختار إمبو. ومشهد الدولة العظمى التي تقف لتهدد وتتوعد وتضغط بكل قوة لحرمان المجتمع الدولي كله من حقه في مناقشة قضايا تتصل اتصالا مباشرا بقضية العنصرية، هو في حد ذاته موقف عنصري مقيت، فمنطق الوصاية والاملاء ينسف كل دعاوى المساواة، وهذا المشهد يختلف كثيرا عن مشهد الدولة العظمى التي وقف وزير خارجيتها (وارين كريستوفر) على منصة المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان: (فيينا 1993) معلنا أن بلاده لن تسمح بأن تكون الخصوصيات الثقافية مبررا لاهدار حقوق الإنسان. واعتذر الرئيس الأمريكي لشعب جواتيمالا لأن بلاده تشترك في تحمل المسئولية، بشكل غير مباشر، عن مقتل عدة آلاف من معارضي نظام الحكم فيها، لا يتسق مع موقفها الرافض للاعتذار عن جريمة بشعة راح ضحيتها أكثر من 40 مليون نسمة، كما حرمت ملايين أخرى من أبسط حقوقها، والتهمتها آلة الرأسمالية الشرسة ليصنع عرق الضحايا ودماؤهم رفاهية المواطن الغربي. وفي هذه النقطة من مسار تاريخ الجنس البشري ينقسم سكان الكوكب الى متقدمين ومتخلفين، ويرى المتقدمون أن تقدمهم ليس فقط نتيجة تفوقهم في التنظيم الاقتصادي أو السياسي بل نتيجة تفوق اجناسهم ورقي الدماء التي تجري في عروقهم، وهذه القناعة التي قد يحتاج الوصول لشواهدها إلى تحليل الخطاب الثقافي الغربي وتجاوز الديباجات التي تغلفه، تتجلى آثارها واضحة في تصور هؤلاء المتقدمين أن من حقهم بحكم هذا الرقي الحفاظ على الحضارة التي هم حراسها من (البرابرة) وأن استمرارهم في حراسة تخلف المتخلفين بسيف من نار يحمي الحضارة منهم. وتلك أسوأ أشكال العنصرية. وفي هذا السياق نلفت النظر الى ماتعرضت له أمم الجنوب ـ الشرق من سياسات امبريالية مركبة أتت على الموارد الاقتصادية وشوهت الثقافات. وجاءت العبودية لتحطم البنية السكانية للعديد من مجتمعات الجنوب. وليست مصادفة أن ترتبط خارطة انتشار العبودية الى حد كبير بخارطة التخلف الاقتصادي. فالعبودية ليست مجرد جريمة قتل ذهب ضحيتها الملايين - وهذه وحدها جريمة شديدة البشاعة ـ بل جريمة مركبة ولدت جرائم مازالت تتوالى نتائجها وبخاصة في افريقيا التي من المؤكد أنها لا تتحمل وحدها مسئولية بؤسها وفقرها، فإذا استخدم هذا التخلف مبررا لمزيد من الاستغلال فإن الظلم يصبح أشد فداحة. ولقد أثبتت تجارب الصراع في القرن العشرين بأشكالها كافة أن القدرة على التدمير تتزايد بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، ومالم نثبت جميعا على اختلاف انتماءاتنا اننا نشعر بمسئولية مشتركة إزاء الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين فسوف تكون البشرية أمام مخاطر حقيقية. وأهم ركائز الأمن والسلم الدوليين وجود نظام للعلاقات الدولية يتمتع باحترام حقيقي من كل أطرافه. وجود قواعد ملزمة تتبعها الدول جميعا بغض النظر عما تحرزه من قوة أو ثروة. ومن هنا فإن مواجهة العنصرية أيا كان شكلها أو مكان وجودها هو الحد الأدنى اخلاقيا وسياسيا الذي يضمن تحقيق هذا الهدف. ففي قلب الحضارة الغربية مازالت النازية تتنامى وتكتسب أنصارا، وفي البلقان تنتصب المأساة شاهدا على أن الآخر الديني والعرقي مازال مستباحا في قلب التشكيل الحضاري الغربي، وكذلك مايعانيه السكان الأصليون في الأمريكتين واستراليا وماجاورها من اضطهاد وابادة مادية ومعنوية. وهي حقائق تضفي معنى مختلفا على أحداث مشابهة كان يراد لها أن تكون من خلال الالحاح الاعلامي برهانا لا يقبل الشك على أن عالم الجنوب وحده موبوء بأمراض التخلف. ومرة أخرى يستخدم ذلك مقدمة في قياس منطقي فاسد يكون تكئة لمزيد من الايغال في العنصرية. أما قضية اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية فينبغي النظر الى ذلك على مستويين: الأول قانوني متصل بالكيفية التي ينبغي أن تدار بها العلاقات الدولية. ذلك أن القرار الصادر عن الأمم المتحدة في هذا الشأن هو وثيقة صدرت عن مؤسسة دولية تعبر عن المجتمع الدولي، ورغم أننا لا نقر التراجع عنه، الا أننا نشدد على أن السعي لإعادة الاعتبار اليه سعي مشروع بكل المعايير، وبالتالي فإن مساعي الولايات التي تستهدف منع إدراج الموضوع على جدول أعمال المؤتمر يتجاوز كونه انحيازا لا يبرره منطق اخلاقي سوي ليكون سابقة تحول الصهيونية الى مقدس لا تجوز مناقشته ولا وضعه موضع التقييم، الأمر الذي يفتح الباب لصراعات ثقافية قد توفر مناخا لصراعات أخرى أشد تكتوي البشرية بنارها. من ناحية أخرى وعلى المستوى الفكري تجب التفرقة بحسم بين مفهومين ظلا يبدوان مترادفين بفعل كثافة الأكاذيب الصهيونية وهما اليهودية والصهيونية. أما اليهودية فهي ديانة سماوية نكن لها كل تقدير ومن حق معتنقيها أن يشعروا بحنين ديني الى بقعة معينة (فلسطين)، وتلك المشاعر ليست موضع تجريم لأنها شعور ديني دخل ضمن حرية المشاعر الدينية التي تكفلها كل المواثيق الدولية. أما الصهيونية التي ترتب على هذه المشاعر الدينية مشروعا استيطانيا أو حقوقا سياسية مدعاة فهي العنصرية بعينها، فهذه الأرض التي اغتصبها الصهاينة بدعم من القوى السياسية الغربية الكبرى هي أرض فلسطينية، والانتقال من الفكرة الصهيونية الى المشروع الصهيوني يكشف عن المزيد من معالم الجريمة. فالصهيونية التي استغلت ظرفا دوليا مواتيا وتصورات لمصالح القوى الغربية الاستعمارية الكبرى لتحول (الأرض المقدسة) الى (العجل الذهبي) ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني من الجرائم مايفوق ماتعرض له أعضاء الجماعات اليهودية في أي مكان في العالم على امتداد التاريخ الإنساني، فضلا عن أن الخطأ لا يبرر الخطأ. وأثبتت تجربة المستوطن الصهيوني أن الدولة الصهيونية لن تكون قادرة على البقاء في أرض شعب فلسطين الا بإبادة ابنائه وسرقة تاريخه وتهويد ثقافته. ولا فرق في نظر أي منصف بين نقل العبيد من بلادهم قسرا للغرب ليكونوا وقود آلته الاقتصادية، وبين طرد الملايين من ابناء الشعب الفلسطيني من ديارهم لتقوم على انقاض وطنهم ثكنة عسكرية لحماية مصالح الاستعمار الأمريكي وتستخدم اليهودية لتسويغ جرائمها. أن منطق الازدواجية الاخلاقية هو أهم مرتكزات الفكر العنصري. وقد كان من أهم مبررات ارتكاب جريمة العبودية، وهو في المقام الأول مرض صهيوني أصيل لأن الصهيونية تقسم العالم بشكل صارم الى (الأنا) و(الآخر) وتستبيح في تعاملها مع الآخر كل شئ. ومن ثم فإن المعركة واحدة وعلى ضحاياها أن يعملوا معا لاجتثاث المرض من جذوره. فما لم تكن هناك معركة نخوضها لاقرار معايير أخلاقية تقوم على مساواة حقيقية بين البشر كافة فسوف يبقى تاريخ البشرية سلسلة من الجرائم المتوالية يرتكبها الأقوى ضد الأضعف. وسوف تتحول الاختلافات بين البشر من مساحة للتفاعل الخلاق الى قنابل قابلة للانفجار. ـ كاتب مصري