اكثر اللجان الاهلية نشاطا في العالم العربي هي لجان حقوق الانسان، فيما عدد كبير من اللاجئين في العالم المنفيين خارج ديارهم هم من العرب. تلك حقيقة تتحدث عنها تقارير الامم المتحدة، ولجان حقوق الانسان. والحديث هنا ليس عن اللاجئين الفلسطينيين، فهذه حقيقة انسانية مرة. عاشها العالم طيلة الخمسين سنة الماضية وما زال، فمنذ القرارات الاولى لمجلس الامن (11 ديسمبر 1948) قررت الدول التي تحكم العالم وقتها ان يعود اللاجئون الفلسطينيون الى ديارهم اذا قبلوا ان يعيشوا في سلام مع «جيرانهم»! ومع ذلك ما زال اللاجئون الفلسطينيون يزدادون لجوءا. ولكن ما اريد التحدث عنه هنا، هو هذا التدفق البشري العربي والشرق اوسطي على قارات العالم، خاصة اوروبا، وأخيرا استراليا. فالقصص التي تأتينا من هناك مخيفة ومقلقة الى حد كبير، وهي قصص انسانية يندى لها الجبين، فكم من غريق فقدته عائلته لأنه أراد ان يحسن من وضعها بالهجرة الى مناطق العمل فلاقى حتفه بعدما ابتلعته مياه مضيق جبل طارق، وكم من الاسر والافراد ابتلعهم بحر المحيط الهاديء وهم يأملون الوصول الى الجنة الجنوبية، استراليا، هاربين من اضهاد «آخرين» لا قبل لهم به؟! وما يلفت الانتباه ايضا ما يحدث لهذا العدد المتزايد من اللاجئين الذين يتدفقون على بعض البلاد العربية مع تواضع قدراتها الاقتصادية، خاصة التدفق الذي يأتي من افريقيا الى بلاد مثل السودان او اليمن، هربا من وضع سياسي واجتماعي واقتصادي مهين. لقد التفت العالم الغربي لقضية اللاجئين في العالم عندما بدأت الهجرات تتدفق على أبوابه بشكل شبه جماعي اصبح يشكل بالنسبة له مشكلة ظاهرة مستمرة ومتصاعدة. والدليل على ذلك ان الصحف الغربية تنشر في هذه الفترة قصصا انسانية مروعة لأشخاص من شمال افريقيا العربية يغامرون بحياتهم كلها من اجل الوصول الى الشاطيء الجنوبي لأوروبا، ولآخرين يقفزون الى القاطرات المتحركة ليلحقوا بها وهي تعبر اوروبا الشرقية متجهة الى اوروبا الغربية الاكثر غنى والاكثر اتاحة للفرص من وجهة نظرهم، الى درجة دفعت هذه البلدان الى تغليظ العقوبة، ليس على المهاجرين غير الشرعيين فحسب، ولكن على ناقليهم ايضا!! لقد بدأ المجتمع الانساني يعثر في كتب القانون، وتحديدا منذ الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، على تشريعات لحقوق الانسان والمواطن. ولكنها نصوص وكتب بقيت، حتى في تلك البلاد ـ وفي غيرها ـ حبرا على ورق، فقط يتغنى بها اهل الخيال والحالمون. حتى اصبحت رمزا اكثر منها حقيقة!! حتى المنادون بحقوق الانسان كثيرا ما يتجاهلون الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات المتخلفة ويحصرون كل اهتمامهم في جانب واحد من تلك الحقوق. وبدوره، فرق الاعلان العالمي لحقوق الانسان بين الحقوق المدنية والسياسية، وبين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ففي الاولى دعم حق التصويت والحق في عدم التعذيب، وأوجد لها تعزيزا في القانون الدولي، وهو ما يطبق بحماس خاصة في السنوات الاخيرة، ولا سيما في أوروبا الشرقية، القريبة من الغرب. اما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل الحق في الصحة والطعام والعمل، فليس لها أسس قانونية دولية، لأنها، ببساطة تحتاج الى تمويل، وهنا يبدأ ظهور الفارق بين الحق والقانون، فهذا غير ذاك!! والفرق بين حقوق الانسان السياسية من جهة والاقتصادية من جهة اخرى، هو الفرق بين فعل الرفع وفعل الوضع، ففي الاولى فعل رفع من الاضطهاد والتعذيب، اما في الثانية فهي فعل وضع، وهو يحتاج الى تمويل، دولي او محلي، لا طاقة عليه للكثيرين وخصوصا في العالم الثالث. ويواكب هذا العام مرور خمسين عاما على توقيع معاهدة اللاجئين الدولية، التي اقرت في الامم المتحدة سنة 1951، ولكن السنوات العشر الاخيرة من القرن العشرين شهدت، حسب الاحصائيات الدولية، اكبر معدل حركة نزوح وبحث عن ملجأ تعرفه البشرية في تاريخها الحديث. وتنص المعاهدة تلك على «ان اللاجيء الذي يستحق المساعدة، هو الشخص الهارب من الاضطهاد، كما ان اللاجئين هم اشخاص لا يتمتعون بحماية حكوماتهم». وبتطور مفهوم الاضطهاد من سياسي الى عرقي وديني واقتصادي، تعقدت مسألة اللجوء الى ان اصبحت من اكبر المشكلات الانسانية التي تواجه عالم اليوم. وحتى نعرف حجم مشكلة اللجوء، فإن المفوضية العليا لشئون اللاجئين في تقريرها الاخير تقول انها نجحت في اعادة خمسة وعشرين مليونا من البشر الى اماكنهم الأصلية، معظمهم كان ـ بالطبع ـ في افريقيا السوداء التي شهدت تطهيرا عرقيا واسع المدى في السنوات العشر الاخيرة. وتجرى حاليا مشاورات دولية في نطاق الامم المتحدة لاعادة النظر في المعاهدة التي مضي على اعلانها خمسون عاما. لقد تغيرت الدنيا واختلفت الظروف، وظهرت حاجات جديدة تسعى اليها الانسانية. حيث بدأت قوائم طلبات اللجوء تكبر وتتضخم، وقد شملت طلبات اللجوء الى كل من اوروبا واستراليا والولايات المتحدة عند منعطف القرن (العام الماضي) حوالي اربعة ملايين من البشر، جميعهم قرروا الهرب من اوطانهم لأسباب سياسية او اقتصادية!! لهذا، يتجه الحديث الدولي والقانوني اليوم بسرعة الى الرغبة في اضفاء «الشرعية» على عمليات التدخل في بلدان عديدة ضد نخب حاكمة مختلفا لا تعنى بحقوق الانسان في بلدانها. لقد بدأت تتلاشى فكرة عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الاخرى، والتي كانت قد نشأت في خضم صراع أوروبا مع بعضها في القرن التاسع عشر. وهي ـ اي الفكرة ـ مرشحة لتتحول باعتبارها شيئا من الماضي ليحل محلها حق التدخل النشط. ان العالم الغربي، القابض اليوم على زمام المبادرة الاقتصادية، ليس معنيا على المدى البعيد، باستقبال هذه التدفقات البشرية التي تقذف بها النظم الشمولية والنخب (الديكتاتورية) المتسلطة الى اتون الخوف والعوز والمغامرة، لأنها ببساطة تشكل اعباء اقتصادية وثقافية لا قبل للغرب بها. ولعل الصدامات بين بعض المهاجرين والمجتمعات المحتضنة لهم والتي ازدادت اخيرا، وبعضها عرض تلك المجتمعات الى اضطرابات عرقية وفئوية (كما حدث في بريطانيا مؤخرا) جعل اليمين العرقي في أوروبا ينشط في اوساط جماعات تنادي بوقف الهجرة، ودفع الحكومات للتفكير من جديد بحثا عن حلول على المستوى الدولي. ولعل اقرب هذه الحلول وأسهلها منالا. هو تجفيف منابع التدفق الاصلية في بلاد تفتقد الحد الادنى من رعاية حقوق الانسان بشقيها السياسي والاقتصادي. فكلفة هذا الحل عملية قد تكون في المدى المتوسط والطويل، اقل بكثير من كلفة استقبال ورعاية اللاجئين والمضطهدين. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت