جمعتني الصدفة مؤخرا في لندن بشخصية انجليزية ذات معرفة واطلاع بأمور عصرنا هذا. دار الحديث بيننا حول عدد من الأمور خاصة نظام العولمة المتمثل في التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتأثيرها على دول العالم وخاصة الدول النامية. وخلال حديثنا تطرقنا إلى موضوع التغييرات الطبقية التي شهدها العالم عبر عصوره المختلفة وبالذات في عصرنا هذا. اذ طرأ ازدياد ملحوظ في عدد الفقراء مقارنة بالاثرياء خصوصا في الدول النامية حيث ان نسبة 4% إلى 5% من سكان اغلب هذه الدول هم من طبقة الاغنياء وهم بالتأكيد يسيطرون على كافة المجالات الاقتصادية. وهذا التفاوت الاجتماعي ادى الى تفشي ظواهر كثيرة كانتشار الجريمة والسرقة والامراض المعدية وهذا ينطبق على اغلب هذه الدول باستثناء القليل منها، فمع نهاية القرن اصبح سكان هذه الدول من 4% الى 5% من الاغنياء ويشكل متوسطو الدخل حوالي 15% أما الاغلبية فهم من الفقراء والذين وصلت نسبتهم الى حوالي 80%هذا مما ادى ويؤدي الى خلل في امن واستقرار المجتمعات والى التباعد بين الطبقات. اما دول الغرب الغنية ومع الفرق الشاسع بينها وبين الدول النامية كذلك سكانها ينقسمون الى ثلاث فئات منها نسبة 20% من الاثرياء و50% من متوسطي الدخل والبقية تتأرجح بين الفقر والفقر المدقع. لذا فان الذين يشكلون الطبقة الوسطى في اوروبا متخوفون من ان تؤدي العولمة الى ازدياد كبير في معدل الفقر والى ارتفاع الغنى عند طبقة الاغنياء فيبقى بذلك الغني غنياً جدا والفقير فقيرا جدا وبالتالي ينتهي ما يسمى بمتوسطي الدخل على المدى البعيد! كما هو حاصل في بعض دول العالم الثالث وهذا هو احد اسباب هذه التظاهرات ضد العولمة في اوروبا، وهذا التخوف له ما يبرره لأن ما يسمى بطبقة متوسطي الدخل ظهرت في بداية هذا القرن بعد ان تم القضاء على الاقطاعيين. ان سكان العالم في القرون الماضية كانوا ينقسمون الى فئتين: الفئة الأصغر وتتمثل في الاقطاعيين الذين يمتلكون الارض وما عليها ويتحكمون في كل شيء. اما الفئة الثانية والاكبر فتتمثل في الفلاحين والأجراء وهم يتجاوزون 80% او اكثر. ومن هنا ظهرت مجموعة من المفكرين والمثقفين امثال كارل ماركس ولينين لترتفع اصواتهم بالاحتجاج على الاوضاع ولينادوا بالشيوعية فسعوا إلى تطبيقها وابرازها على السطح وأصبح جزء من العالم يحكمه الشيوعيون واختفى الاقطاع ودولة الاقطاعيين وحل محله النظامان النقيضان لبعضهما البعض الرأسمالية والشيوعية وخطا هذان النظامان خطوات كبيرة نحو التغيير والتطوير بفضل التنافس الذي كان قائما بينهما فظهرت الصناعات وشكلت العمود الفقري للاقتصاد العالمي وعملت على تحديثها وتطويرها، كما عرف العالم مسميات جديدة ظهرت في المجتمع، كالاقتصاديين ورجال الاعمال والصناعيين والعمال المهرة، ومثل اغلب هؤلاء ذوي الدخل المتوسط واصبحوا يشكلون اغلبية المجتمع ومنهم: المثقفون والعلماء والمحامون والمهندسون والاطباء وغيرهم وكذلك رجال السياسة والحكم. وبهذه الطبقة ومن خلالها حاربت الدول الرأسمالية النظام الشيوعي الذي كان من المفروض ان يمثل العمال والفلاحين ودار الحكم والصراع سجالا بينهما الى ان تغلبت الرأسمالية وتم القضاء على الشيوعية، وسواء كان ذلك بسبب عدم يقظة او غباوة قادة الشيوعيين الذين لم يضعوا حسابا لكل ما يمكن ان يتسبب في نهايتهم، او بسبب قوة وحكمة الفكر الرأسمالي المتحرر من العقد، فالنهاية كانت غير متوقعة! أما الآن فالرأسمالية وجدت ضالتها وتلعب لعبتها بقيادة عملاقها، الولايات المتحدة الأمريكية وبأسلوب اقطاعي جديد ومتطور. وخوفا من ان يؤدي نظام العولمة الى تقسيم المجتمعات الى فئتين مرة اخرى كما كان عليه ايام الاقطاعيين وان يتسع التفاوت بين الغني والفقير حتى ولو اصبح فقره احسن حالا مما سبقوه!!! هذا من جهة ومن جهة اخرى فان الدول الغنية والمالكة للتكنولوجيا هي التي ستتحكم في العالم وتزداد غنى وتبقى الدول النامية دولا هامشية تعيش على الهبات والصدقات. فهل يا ترى هذا التخوف وهذا المبرر في مكانه؟ وهل يظهر لنا مفكرون ومثقفون بأفكار حديثة ومتطورة عن افكار كارل ماركس ولينين؟! وهل بامكانهم القفز بالدول النامية إلى مصاف الدول المتقدمة؟ ربما!! فهذه هي سنة الحياة، والعالم يتغير ويتصارع من أجل البقاء منذ ان خلق الله الارض ومن عليها. ولتبدأ مرحلة اخرى من الصراع بين بني البشر! مرحلة العولمة التي ستحكم المجتمعات فأين سيكون موقعنا نحن العرب وموقع دولنا العربية من كل هذا؟