نسبح اليوم في خضم الاحداث حيث يكتب شهداء الانتفاضة بالدم الفصل الاخير والنهائي من رواية اوسلو البائسة معلنين ان صراع الوجود مع العدو الصهيوني لا يحسمه الا القتال وان ما اخذ بالقوة لايسترد بغير القوة، وان هذا العدو العنصري لايعنيه السلام ولا يفهم منطقة ولا يريده سوى فعل مرحلي في اطار انجاز مشروعه الاستيطاني ـ الاستعماري الكبير. والشهداء ينسجون لوحة الوعي العربي الجديد بخيوط الدم.. ويدعوننا بوضوح تام الى ان نساهم، نحن الادباء والكتاب العرب في صنع ذلك الوعي بخطوط حبرنا القاتم.. ولا اظن الا اننا فاعلون. اننا نواجه عقلية يهودية مبنية على اسس التمييز العنصري والتعصب والاقتناع «المقدس» بالتفوق والفرادة، عقلية يغذيها «ايمان»، وايا كان فهو لديها «ايمان» بانها من طينة غير طينة الآخرين وان الآخرين في خدمتها! يقول الحاخام «اباربانيل»: «خلق الله الاجنبي على هيئة الانسان ليكون لائقا لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا لاجلهم، لانه لا يناسب لامير ان يخدمه ليلا نهارا حيوان وهو على صورته الحيوانية، فاذا مات خادم اليهودي او خادمته، وكانا من المسيحيين فلا يتوجب عليك ان تقدم له التعازي بصفة كونه فقد انسانا، ولكن بصفة كونه فقد حيوانا من الحيوانات المسخرة له». وفئة هذه نظرتها للآخرين لا يستغرب منها اي فعل او منطق او سلوك يسخر من منطق الآخرين وعقلهم وحقهم ورؤيتهم للامور، لقد رأى اليهود انفسهم دائما على هذه الصورة، وربما كان هذا تمثلا منهم لعقيدة صنعوها، فرأوا «يهوه» من منظورها يشجعهم على ان يكون كل حقد وطمع وتعصب وعنصرية ضد الآخرين جزءا من تكوين مقدس ومشروع متفوق لليهودي، وقد ثبت مؤرخوهم ومفكروهم وكتابهم ذلك دون حياء، فها هو سيمون دفنون المؤرخ اليهودي (1860ـ 1941) يقول: «اليهودي انه مخلوق فريد له طبيعة ازلية، وتراث حضاري مستقل عن التراث الانساني»، فلندقق في كل كلمة مرت في هذا المقتبس ونحن واجدون فيها نتن التعصب والعنصرية ووهم التفوق الخلقي وسقوط القيم السليمة. ابتلاء عربي وقد ابتلينا نحن العرب بهذا النوع من العنصرية، ولذا فنحن مطالبون بمعرفة عدونا، وبالتعرف على مقومات تفكيره العنصري وخلفيات الاعمال الارهابية التي يمارسها، وبرنامج الابادة المنظم الذي يقوم به، وهو برنامج يهدف الى الغاء وجودنا ومحوه، بدأ من ارادتنا ليثبت اليهودي وجوده على حساب وجودنا. ان ذلك البرنامج ينفذه الكيان الصهيوني والمنظمات الصهيونية بدقة ودون رحمة وبانتهازية دولية لا مثيل لها، ويحشد لذلك مالا وعقولا وسلاحا وانصارا في المستويات الدولية للمسئولية وفي دول ذات قوة ونفوذ على رأسها الولايات المتحدة الامريكية، والكيان الصهيوني يعمل بدأب وبنفس طويل على برنامجه الثابت ذلك بوصفه برنامجا يستند الى شرعية اخلاقية!! ويكاد قول جاكوب كاتز يلخص جوهر الموقف «الاخلاقي اليهودي» وجوهر المشكلة العملية امام «اسرائيل» العنصرية في فلسطين وبقية الارض العربية المحتلة اذ يقول: «ان الصعوبة الرئيسية بالنسبة للمجتمع اليهودي في هذا الاطار تكمن في الحقيقة التي مؤداها ان شرائع التلمود وتقاليده الاخلاقية كانت تفترض وجود مستوطن يهودي اصلي وجها لوجه امام غرباء وثنيين غير مرغوب فيهم ويقيمون بين ظهراني اليهود، كما ان اقامة الاتصال مع هؤلاء قد تجر الى الخطيئة والاثم، لذا جرى اعتبار الاقدام على طرد هؤلاء وحتى القضاء عليهم بمثابة واجب مقدس». ومراعاة لظروف واعتبارات عابرة يناور الصهاينة ويداورون ويلوحون بالسلام، ويلعبون على تفسيره ويمارسون الخبث التقليدي والتزييف التاريخي اللذين يبرعون فيهما، لمجاوزة صعوبات ولتوفير مناخ ملائم لتنفيذ اغراضهم وثوابتهم «المقدسة» التي تنصب على ضرورة الحصول على ارض نظيفة من «الغوييم» وهنا ينحصر الغوييم بالعرب. ولابد من ان يذكرنا ذلك بمصطلح الحل النهائي النازي ـ الذي طالما استخدمه الصهاينة وفق تفسيرهم له ـ لتحقيق الحلم الصهيوني الذي صيغ على انه «وعد الرب لمن احب» كما يذكرنا بأن الهدف اليهودي المعلن في فلسطين يرمي الى اعتبارها ركيزة تنطلق منها الدولة العبرية الى استيطان اراض عربية اخرى تمتد بين النيل والفرات في مشروع شعاره «من النيل الى الفرات»، وبسط السلطة والنفوذ على المنطقة بكاملها والقضاء على سكان الارض الاصليين وثقافتهم بدءا من ارادتهم دون رحمة، تحقيقا لمخطط وبرنامج ينفذان ببرود وحزم علمية وشريرة ويقومان على قاعدة «اخلاقية» هي ذاتها القاعدة التي قام عليها فعل الغربيين التصفوي في العالم الجديد، وهي قاعدة بسيطة تقول: «الهندي الطيب هو الهندي الميت» وهو ما يعادل ويساوي: «العربي الطيب هو العربي الميت» وقد صدرت مثل هذه التعابير بصراحة ووضوح من قادة صهاينة في فلسطين المحتلة. فاضطهاد اليهودي للآخرين ونهبه لارضهم وخيراتهم، وقتله لهم، مؤسس على اعتقاد «ديني» يرى ان دم «الغوييم» ـ ابناء الشعوب من غير اليهود ـ واموالهم واعراضهم واراضيهم حلال له، ويرى ان رضا «يهوه» مرتبط باقدام جنوده على سحق الاخرين وابادتهم، ويرى ان كل ما تطؤه اقدام جنود «يهوه» هو ملك تام لصهيون، وكل ما يمارسه اليهودي في سبيل الوصول الى اغراضه واهدافه، ولو كان في منتهى القذارة والخسة، هو عمل مشروع يبيحه «الدين» وتبيحه الشريعة وتحض عليه «الاخلاق» اليهودية ويجد ان الكذب على الآخرين والتزييف والتزوير.. الخ.. كلها افعال مشروعة جدا ومنطقية ومطلوب القيام بها، بل مباركة، مادامت تؤدي لوصول اليهودي الى امتلاك الغير وابادتهم وتحقيق نصر وتفوق له عليهم، وكل ذلك مؤسس كما اسلفت، على اعتقاد راسخ بالحق والشرع، كما يفهم الشرع والحق يهود ـ صهيون، او الصهاينة اليهود. ببساطة نحن ابناء امة تعاني من الممارسات العنصرية للصهيونية النازية منذ قرن من الزمان، تعاني من «الهولوكوست» الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني ومن تصل اليهم الصهيونية من ابناء الامة العربية، ونحن هنا لاننا منتمون لامتنا في واقعها الراهن، ولاننا ضد العنصرية ايا كان نوعها وشكلها ومصدرها، وضد اي شكل من اشكال الشوفينية والنازية و«الهولوكوست» الذي ندينه بقوة.. ونحن ندين العنصرية النازية والصهيونية والصربية معا لانها بغيضة وضد الاخلاق والقيم والسلامة البشرية، وكل عنصرية مدانة وبغيضة، وكل من يرتكب جرائم بحق الانسانية ويفتك بالشعوب ماديا معنويا بكل انواع الفتك، سواء اكان على طريقة الولايات المتحدة الامريكية في هيروشيما وكوريا وفيتنام او على طريقتها ضد العراق بالقصف والحصار والتجويع والترويع ومحاولات التركيع، هو مجرم بحق البشرية. مهمة إنسانية ونحن نطرح هذا الموضوع: عنصرية الصهيونية والنازية، تعميقاً للوعي بمخاطر الصهيونية وطبيعتها العنصرية وممارساتها الاجرامية، وإرهابها المنظم: ارهاب الدولة، ونطرحه دفاعاً عن حرية الرأي والتفكير و التعبير.. فموضوع يتناول اليهود ليس محرماً تناوله وليس فعل اليهود فوق الشك، ولا ينبغي ان يبقى البحث فيه محرماً ومداناً لأن هناك قوة ارهاب فكري كاسحة تسيطر على سياسات وأجهزة اعلام وأجهزة مخابرات وتحركها وتتدخل لفرض هذا التحريم. والبحث والتصحيح وإزالة أشكال التزوير والتهويل والابتزاز من الأمور المشروعة والمصانة بموجب الشرائع والقوانين والأنظمة العادلة، وهو مما يهمنا ويعنينا جداً نحن الكتاب والمفكرين والأدباء. ونحن هنا نطرح هذا الموضوع لأننا ضد الارهاب الفكري الذي تمارسه الصهيونية في كل انحاء العالم، وتفرضه قوانين على دول تحت اسم العداء للسامية كما فعلت في فرنسا «فانون جايسور ـ فابيوس» وفي سويسرا وسواهما من بلدان الغرب، التي اصبحت على نحو ما ضحايا العقد النفسية التي فرضتها الصهيونية من خلال الإعلام والإرهاب السياسي والثقافي والمادي. وسوف ندعو ونعمل لعقد ندوات وطباعة كتب وإقامة حوار واسع ونشر مادة علمية من مصادر عدة، وسوف نبدأ مرحلة العمل في اتجاهين: 1ـ انشاء مركز توثيق قومي لجرائم الصهيونية ضد ابناء الشعب الفلسطيني والأمة العربية. 2ـ الاعداد لمحاكمة الحركة الصهيونية ورموزها في اطار محكمة ضمير على غرار محكمة برتراند راسل. وإذا كان شارون يُحاكم اليوم في بروكسل على جرائمه في صبرا وشاتيلا فإن هرتزل وبيجن وشامير ورابين وشارون.. وبقية رموز الاجرام الصهيوني سوف يحاكمون في يوم ما بوصفهم عناصر مارست الارهاب والمذابح الجماعية وارتكبت جرائم ضد الانسانية في فلسطين والوطن العربي. يقول ايلي فيزل، مروّج بضاعة «الهولوكوست» في الولايات المتحدة الامريكية: «معاقب دائماً وبريء دائماً ذلك هو عبء ان يكون المرء يهودياً». وإذا كان من المستهجن ان يقول يهودي مدلل في الولايات المتحدة هذا الكلام ويروّج له في انحاء تلك الدولة.. فمن المستهجن ألا نقول نحن العرب ما ينصفنا من الظلم الواقع علينا جراء ما لحق وما يلحق بنا من عدوان وقهر وتدمير وموت واقتلاع جذور من أرضنا التاريخية، وما نتعرض له من ازدواجية مكاييل يقود تطبيقها علينا تحالف تقف على رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، التي استخدمت حق النقض ضد توفير الحماية للفلسطينيين قبل أشهر من هذا العام 2001 ولوّحت باستخدامه قبل أيام، كما استخدمته أبشع استخدام أثناء حصار بيروت عام 1982 لمنع وصول الماء والغذاء والدواء والكهرباء لمن كان يحاصرهم الكيان الصهيوني في عاصمة بلد عربي عضو في الأمم المتحدة. وإذا كان من حق اليهود ان يجددوا الذاكرة اليهودية وغير اليهودية بالهولوكوست، فلماذا لا نكون نحن مع تجديد ذاكرتنا العربية حول الهولوكوست الذي ارتكبته وما زالت ترتكبه الصهيونية ضدنا!؟ ولماذا لا نكون مع انفسنا في هذا المجال؟! وإننا نتساءل لماذا لا يكون من حق الأفارقة السود أن يقيموا متاحف تذكر بالمذابح التي ارتكبت ضدهم وبمعاناتهم من ظلم الرق الأمريكي؟! ولم لا نكون مع حق الأفارقة السود الأمريكيين في اقامة متحف قومي لهم يذكر بأصولهم ومعاناتهم واسترقاق الأمريكيين البيض لهم؟! ولماذا لا نكون مع إقامة مثل ذلك المتحف للأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر) يبين جرائم الإبادة التي ارتكبت بحقهم؟! ولماذا يكون هناك أكثر من مئة متحف للهولوكوست النازي ضد اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية، وأعظمها في «واشنطن مول»، وتكون تلك الذكرى عيداً قومياً أمريكياً في كل عام، ولا يكون للأمريكيين أنفسهم حق في تذكر معاناة نصف شعبهم في الرق والجوع والحروب؟! ولماذا يبتز اليهود العالم باسم دمهم وعذابهم على أرضية من التزوير والتهويل الأسطوريين والكذب الصراح، ولا يتاح للعرب: فلسطينيين ولبنانيين وسوريين ومصريين وأردنيين، ان يطالبوا الحركة الصهيونية وحليفها الأمريكي بتعويضات عن كل ما لحق بهم من دمار وموت ونهب ومعاناة جراء الهولوكوست الصهيوني المحمي أمريكياً!؟ إنها أسئلة لا يستنكرها إلا المصابون بعقدة التمييز العنصري ولا يحاربها إلا العنصريون الصهاينة والمتصهينون فقط. فالعنصرية شر مطلق، والصهيونية هي ممثل هذا الشر المطلق بامتياز مطلق أيضاً، وفضحها ومقاومتها واجب مقدس... ومن أجل هذا نحن هنا.. ومن أجل هذا نتنادى اليوم لنتابع مشروعاً معرفياً يخدم الانسانية كلها وليس قضيتنا العربية العادلة فقط. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب