في سنة 1831 قرأ الأديب الإنجليزي توماس ماكولي كتابا بعنوان حياة الدكتور صمويل جونسون، وبعد أن أغلق المجلد الضخم الحافل وصف مؤلف ذلك الكتاب فقال: غريب أمر المؤلف جيمس بوزويل هذا. أنه أعظم الحمقى في عالم البشر. وشاعت في البرية عبارة أعظم الحمقى وظل الناس يقرأون سيرة جونسون ويعجبون بها ثم يتندرون على مؤلفها الذي لم يكد يفعل شيئا ولا ترك آثارا تذكر في عالم الفن أو الأدب أو الإبداع بخلاف هذه السيرة التي كتبها وخلد من خلالها ذكرى بطلها.. صمويل جونسون الذي يعد واحدا من أعيان الأدب الإنجليزي في القرن الثامن عشر - ان استخدمنا في الوصف تعبير مؤرخ السير العربي الكبير ابن خلكان. ومن عجب أن تشيع شهرة الكتاب المذكور فيما يخمل ذكر مؤلفه وتلك من تصاريف الأيام تماما كما شاع روايات ومغامرات رجل التحري الإنجليزي الشهير «شيرلوك هولمز» الذي فاقت شخصيته الخرافية أو الخيالية شهرة مؤلفها الذي لم يعد سوى القليل أو المتخصص يذكرونه وهو سير آرثر كونان رويل. وتماما كما دارت الدائرة نفسها على مؤلف روايات جيمس بوند بطل المغامرات الذي ظلت شمس الشهرة تسطع على حكاياته الحافلة بالبطولات غير المعقولة والنساء السوبر جميلات ومواقف الخطر التي يطلع منها صاحبنا بوند - العميل رقم 777 كي لا ننسى -طلوع الشعرة من العجين كما يقول المصريون.. كل هذا والناس يكادون ينسون ، أو أنهم نسوا فعلا أن هرش المخ هذا كله من بنات أفكار روائي إنجليزي متوسط القيمة في رأي النقاد الثقات واسمه إيان فلمنج. ويزداد العجب أكثر حين نعرف أن الدكتور جونسون على إتساع شهرته وعظيم تأثيره خلال القرن الثامن عشر في آداب الإنجليزية.. فإن هذه الشهرة والتأثير إنما يرجعان أساسا إلى جلسات الرجل والندوات والسهرايات والونسات التي كان يشهدها وسط معاصريه من كبار الشعراء والمؤرخين والروائيين «مؤرخو الأدب والفكر اصطلحوا على وصف القرن الثامن عشر في إنجلترا بأنه عصر العقل » .. والمعنى أن ما كان يتفوه به الخواجه جونسون من أحكام نقدية وأفكار فلسفية وقفشات تهكمية وأوصاف بليغة.. كان يفوق بكثير معظم ما أنتجه يراع الرجل في بابا الإبداع الروائي والمسرحي على السواء. صحيح أن جونسون سجل بصمته في آداب الإنجليزية ومتنها اللغوي حين وضع قاموسه الحافل الشهير للغة الإنجليزية وحين وضع كتابه عن كبار الشعراء الإنجليز وسير حياتهم فيما يشبه كتب طبقات الشعراء في أدبنا العربي - لكن الصحيح أيضا أن جونسون هذا أنتج مسرحية متواضعة القيمة بعنوان «ايرين » وكتب رواية أكثر من متواضعة اسمها «راسيلاس» وحتى قبل أن يموت في عام 1784 كان الناس قد وضعوا أصابعهم العشرة في كل الشقوق إزاء اسلوبه الذي كان يزداد في رأيهم سماجة وثقلا بسبب غرام جونسون المشبوب بحشو السطور بما يلزم وما لا يلزم من عبارات لاتينية ومأثورات يونانية كان العصر قد تجاوزها تشوفا إلى الجديد وبمناسبة رواية «راسيلاس» هذه ، نطن أن لها ترجمة عربية لا شك أنها دقيقة وبليغة ورصينة كيف لا وقد عرفنا أنها إبداع أستاذنا الكبير الراحل الدكتور مجدي وهبة وكان أول من حدثنا عن «راسيلاس» هذه ونحن في يفاعة الطالب الجامعي وفهمنا أن أصلها هو «الرأس إيلاس» وهو لقب يطلق على كبار الحكام في بلاد الحبشة وقد يرادف العاهل أو حتى الملك المستبد على هذا الإقليم أو ذاك. وبالمناسبة أيضا نذكر في آخر زيارة سعدنا بها إلى دبي العزيزة في مارس الماضي وجاءنا يوما زميل العمر الاستاذ صلاح عويس بسؤال عن حكاية مذهب الراستفرية الذي كان قد صادفه كمصطلح ضمن قراءاته العديدة ولأننا جيل مناكف دؤوب فقد أمعنا في البحث لنعرف أن المذهب منسوب إلى الرأس تيفري وهو الاسم أو اللقب القديم الذي كان يحمله هيلاسلاسي إمبراطور الحبشة الذي أطيح به - كما لعلك تذكر في أوائل عقد السبعينيات في أثيوبيا لقد كان الرجل بقامته الضئيلة وعينيه الثاقبتين ولحيته المتميزة وبلائه من أجل تحرير بلاده من الاستعمار الإيطالي.. وطول مكوثه على العرش ودعاوى نظامه بأنه يمت بنسب تاريخي طبعا إلى الملكة بلقيس.. كان الرجل لهذا كله أسطورة تمشي على قدمين ولم يكن صدفة أن تغرب شمس هيلاسلاسي في أثيوبيا. فإذا بها تطلع من جديد في أمريكا حيث أنشأوا مذهبا يفضي نوعا من القداسة..وهالات الأسطورة على هيلاسلاسي.. وان استخدموا اسمه القديم الرأس تيفري. ومن عجب أخيرا أن هيلاسلاسي.. أو الرأس تيفري لم تقتصر ذكراه ولا سيرته على سطور الكتب التي يطالعها صلاح عويس ولكنه فرض نفسه فرضا على خاطر الفقير كاتب السطور.. حين اتخذ - الفقير - طريقه منذ أيام قلائل في ساعات الصباح النيويوركي المفعم بالحرارة والرطوبة معا.. إلى المدخل الرئيسي لمبنى الأمم المتحدة. وفي باحة الشارع المقابلة للمدخل وتحمل اسم «رالف بانسن» أول مساعد أمريكي أسود لأمينها العام.. تناهت إلى الاسماع ضجة مظاهرة محدودة العدد مشبوبة الحماس.. ولأننا كلنا في الهم شرق كما قال أمير الشعراء يوما.. فلم تنقطع لنا عادة أن نعرج على المظاهرات اليومية نقرأ شعاراتها ونتعرف على نداءاتها ونحاول ولو من بعيد لبعيد أن نشعر المتظاهرين أننا نشاطرهم المشاعر والاحتجاج ورفض الظلم وطلب العدالة.. الخ من منطلق أننا بدورنا من المعذبين المستضعفين وأهل السبيل. مظاهرة ذلك الصباح كانت تضم رجالا ونساء ذوي سحن داكنة مغرقة السمرة.. شعاراتها المرفوعة في لافتات صغيرة بالإنجليزية ونداءاتها المنبعثة من الحناجر كانت تطالب بعودة النظام الإمبراطوري إلى أثيوبيا.. ولا بأس من أي مطالبات في هذا الشأن أو ذاك.. ولا بأس من المناداة بعظمة الرأس تيفري.. تاني ؟ والهتاف لا هوية بغير إمبراطورية ؟ «ولا تسأل لماذا وكيف » ويسقط نظام منجستو الطاغية «وهو ساقط وهارب من زمان » ولأن الفقير كاتب السطور عاش فترة في أثيوبيا.. فقد لعب في عبنا فأر الشك بمزيد من شقاوة فاخترنا من المتفرجين أشدهم سماحة وربما أضعفهم بنية وتكوينا والحرص واجب بطبيعة الحال ودار بيننا حوار: الاخوة «المتظاهرون » من أثيوبيا ؟ لا.. بل من جامايكا يعني جاءوا من منطقة الكاريبي بل جاءوا من هارلم «حي الزنوج في نيويورك » طيب ومالهم ومال أثيوبيا هنالك سكت صاحبنا وغمغم ما معناه خليك في حالك يا مولانا.. الرزق يحب الخفية وهذا ما كان من أمر الرأس تيفري.. فماذا كان من أمر صاحبنا جيمس بوزويل وبطل كتابه الأشهر عن سيرة الدكتور جونسون.. الغريب أن بوزويل هذا أصبح اليوم حديث المجامع الأكاديمية وأوساط النقد والتاريخ الأدبي في نيويورك.. لقد اكتشفوا مؤخرا أحمالا ثقيلة من أوراقه ومذكراته وبحوثه لم يكن أحد يعرف عنها شيئا..وبدأت عملية بحث من أجل إنصاف الرجل الذي طال عليه غبن النقاد والدارسين منذ أن أطلق المؤرخ الكبير ماكولي عبارته التي وصفته - كما اسلفنا - بأنه أعظم الحمقى في العالم. تلك قصة لم تتم فصولها وتستحق أن تروى بإذن الله.