خلال حربها المعلنة ضد القوى الضاربة للانتفاضة المتفاعلة، سعت الأجهزة الأمنية والاستخبارية الاسرائيلية الى توجيه ضربات اجهاضية.. ومن أجل بث عدم الثقة في الذات واشعار الجميع بأن العمل الفدائي الفلسطيني، هو تحت السيطرة، نشرت هذه الاجهزة قوائم بأسماء القيادات والكوادر الفلسطينية المرشحة للتصفية، إن لم تتعاون السلطة الفلسطينية في القبض عليهم، وتسليمهم لإسرائيل. ومع أن اسرائيل شددت استنفارها الأمني الى الحد الأقصى، برا وبحرا وجوا، الا انها لم تنجح مطولا في تحقيق الأمن المطلق المرغوب فيه لقواتها ومستوطنيها داخل الأرض المحتلة أو في عمقها الاستراتيجي.. فقد تمكن الجهاديون الفلسطينيون من الوصول لأهدافهم هناك.. وبفعل عملياتهم الميمونة، كادوا يردعون السياسة الاسرائيلية الارهابية بحق شعبهم.. بحيث دارت أحاديث ومناقشات جادة في الأوساط الشعبية وبعض الدوائر الرسمية الاسرائيلية، حول ضرورة البحث عن حلول غير أمنية للانتفاضة. حدث ذلك بعد أن سقط زهاء مئة وخمسين قتيلا اسرائيليا، وبالنظر لموازين القوى مع المنتفضين، فإن عددا كهذا يبدو مكلفا جدا للجانب الاسرائيلي لوقف الانتفاضة، ثم انه رقم مرشح للزيادة، كون الانتفاضة لم تتبن بعد خيار العمل المسلح على نحو صريح ومفتوح، لكن مالا تخطئه عين المتابع عن كثب، هذا التوفيق المتوالي مؤخرا في جهود الأجهزة الاسرائيلية المختصة لإحباط الجهاديين ومختلف عمليات المقاومة، وفي هذا السياق، اعترضت هذه الاجهزة بنجاح ملحوظ طريق كثير من المقاومين، من مختلف الفصائل، سواء داخل الأرض المحتلة أو على خطوط التماس أو وراءها في العمق الاسرائيلي. ولأن هذه الملاحقات الاستباقية الموفقة تكررت بالوتيرة ذاتها، فإنها توشك أن تتحول الى ظاهرة، ولا ينبغي أن يغرب عن الذهن كيف أن قوات الاحتلال اغتالت على مدار الانتفاضة 40 في المئة من المطلوبين على قوائمها.. وما يلفت الانتباه، أن هذه الملاحقات وعمليات الاعتراض الاجهاضية والاغتيالات، تتبع القواعد والأنماط ذاتها: ضرب قواعد الاعداد والقيادات، القبض على المجاهدين على خطوط التماس أو قبيل التنفيذ بوقت قصير، قصف السيارات، تفخيخ الهواتف الخاصة أو العمومية، اعداد الكمائن على الطرق أو بقرب منازل القياديين. مثل هذه النمطية والتكرارية كان من شأنها جدلا أن تسترعي انتباه العقل الفلسطيني المقاوم، كي ينتج تكتيكات مضادة تحجب فاعلية الاجراءات الاسرائيلية.. والحكمة هنا أنه مهما بلغت هذه الاجراءات من حنكة واحكام، فإن المقاومة قادرة على ابداع آليات وأساليب بديلة. وفي تقديرنا أن الفرصة لم تفت بعد على العمل الفلسطيني بهذه الحكمة، وأن النجاحات الأمنية الاسرائيلية سوف تكون مؤقتة.. لكن ذلك لا يعني اغفال تحري الأسباب التي مكنت للاختراقات الأمنية وهيأت لها.. إن التعرف على هذه الأسباب هو أحد المحددات المهمة لإزاحتها من طريق المقاومة. وفي هذا الاطار، لم يعد خافيا ما يمارسه، رهط العملاء والطابور الخامس المتغلغل في الصفوف الفلسطينية.. ومع اعترافنا بالظروف الموضوعية التي سمحت للعدو الاسرائيلي بتجنيد هذا الرهط، خلال زمن الاحتلال المديد، فإننا ننبه لضرورة اعتراف قوى المقاومة، والسلطة الفلسطينية ليست استثناء من ذلك، بأنها تساهلت معهم بأكثر من اللازم، وكان من نتيجة التسامح المفرط أن تغلغل بعض العملاء الى تضاعيف جسد المقاومة ذاته. ومن المحتمل جدا أن منهم من تبوأ أماكن شديدة الحساسية. والا مامعنى اعتراض الأجهزة الاسرائيلية لبعض المقاومين عبر معلومات دقيقة، يفترض انها لا تتاح الا للنخبة الضيقة وليست مطروحة على الملأ، ولا حتى على كثير من رجال المقاومة أنفسهم؟! لن يضر المقاومة أن تضع افتراضا كهذا في حساباتها، وهي تعيد تقييم استراتيجياتها وتكتيكاتها لأمنها الذاتي من الداخل. ولا يقل أهمية عن ذلك، ايلاء عناية فائقة بما يمكن أن ندعوه بـ «الموقف التقني» لعمليات المقاومة وأمنها. فالتفوق التقني الفني الاسرائيلي، هو أحد أبرز الأسباب الموضوعية لزمام المبادرة ضد المقاومة. انه العامل المسئول، بتعامد خطير مع الاختراق التجسسي البشري، عن دقة الضربات الاسرائيلية بكل أنواعها المشار اليها. وأغلب الظن أن الحليف الأمريكي قد وضع بدوره امكاناته المتطورة تكنولوجيا بين يدي الأجهزة الاسرائيلية المعنية، بما عزز موازين قواها الاستخبارية ضد المقاومة على صعد الرصد والمتابعة والتصنت والتصويب.. الخ. ومع ذلك، مازلنا عند رأينا بأن هذا التفوق الاستخباري بشقيه البشري والتقني سيصل الى مداه، ولن يحول دون ابداع المقاومة لأنماط جهادية مناسبة. فمنذ متى كانت قوى المقاومة في أي نموذج بما فيها النموذج الفلسطيني - على توازن تقني مع المستعمرين؟ واذا كانت غربلة المجتمع الفلسطيني من العناصر العميلة بعلم وغير علم، التي أفسدتها عمليات التسميم السياسي والنفسي الاسرائيلي تحتاج الى عزم أوسع.. وليس كثيرا على المؤسسات العربية وغير العربية المساندة للحقوق الفلسطينية ذات الصلة بهذا التفوق، التي بوسعها المساهمة في معرفة كنهه وطبيعته وكيفية مكافحته وتعجيزه، أن تمد يد العون للنضال الفلسطيني في هذا المضمار. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة