كيف نفسر الصراع الدائر بين فريقين على صعيد مؤتمر الامم المتحدة حول العنصرية المنعقد في مدينة دوربان بجنوب افريقيا؟ هل هو مواجهة عنصرية بين الشعوب البيضاء والشعوب الملونة في العالم؟ هل هو مواجهة جغرافية ـ اقتصادية بين شمال العالم الغني وجنوبه الفقير؟ ام هل هو هبة جماعية متأخرة للشعوب التي اخضعت للاستعمار الاوروبي، لغرض تصفية حسابات قديمة مع القوى الاستعمارية السابقة؟ ان هذه المعركة العالمية الكبيرة التي تدور رحاها في دوربان تجمع كل هذه العوامل في آن معا.. ولذا فان حصرها في عامل واحد يعتبر في تقديري الشخصي تبسيطا مخلا.. من المحتم ان يفضي بنا الى تناقضات. فاذا افترضنا مثلا ان هدف المؤتمر ينحصر في اطار مناهضة العنصرية بأشكالها سواء على مستوى عالمي (الحركة الصهيونية) او مستوى بلد واحد (المواطنون الزنوج في الولايات المتحدة) فكيف نفسر مثلا عزوف الزنجي الامريكي كولين باول عن المشاركة في المؤتمر كتعبير عن استياء من جنوح جمهرة المؤتمرين نحو تسجيل ادانة للصهيونية العالمية كأكبر حركة عنصرية؟ واذا افترضنا ان انعقاد هذا المؤتمر العملاق يعكس صراعا عالميا بين شمال العالم الغنى وجنوبه الفقير فما هو وضع دولة اسرائيل في هذا الاستقطاب علما بأنها اذ تتبع جغرافيا للجنوب الفقير فانها تنتمي اقتصاديا وثقافيا وسياسيا الى نادي الاغنياء في الشمال؟ واذا كان غرض المؤتمر ينحصر في عزم الشعوب المستعمرة سابقا في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية تصفية حساباتها مع القوى الاستعمارية الاوروبية القديمة، الا يعني ذلك افلات الولايات المتحدة من الحساب باعتبارها القوة العظمى التي تمثل ظاهرة الاستعمار الجديد؟ لقد كانت الظاهرة الاستعمارية في شكلها العتيق تتمثل في ادارة اجنبية تحكم شعبا متخلفا ويعززها احتلال عسكري مباشر واذا كان هذا المظهر الاستعماري قد اختفى وزال فان ما تمارسه الولايات المتحدة من نفوذ شامل على دول مستقلة عبر صندوق النقد الدولي والشركات «متعددة الجنسية» يفوق سطوة الاستعمار القديم اضعافا. لكي يكون مؤتمر دوربان ذا مغزى ايجابي فانه يجب، من وجهة نظر الشعوب المستضعفة ان ينطلق من مرجعية ايديولوجية اساسية تغطى كل عناصر الظلم الواقعة على هذه الشعوب. من هذا المنظور فانه ربما يكون الاقرب الى الواقع العالمي المعاصر اعتماد مبدأ الصراع الطبقي العالمي فعالم اليوم مشطور الى قسمين: الذين يملكون والذين لايملكون. وهو ليس تقسيما جغرافيا، شمال وجنوب، وان بدا ظاهريا كذلك فخندق الذين يملكون يضم الى جانب الشرائح الطبقية العليا في مجتمعات الغرب الطبقات الحاكمة المستأثرة بالثروة في البلدان الفقيرة والذين لايملكون من جمهرة شعوب العالم الفقير سوف يجدون معهم في نفس الخندق تلك الجماعات الراديكالية الغربية التي تتخذ موقفا معاديا لتيار العولمة الذي سوف يجعل الاغنياء اكثر غنى والفقراء اكثر فقرا في جميع اركان الدنيا على حد سواء. الانتماء الطبقي هو المحك في نهاية المطاف فانتماء كولين باول الى شريحة اصحاب رأس المال في الولايات المتحدة وبالتالي تمتعه بما يلقون من تميز مبني على اعتبارات الثروة هو الذي يجعله يتنكر لانتمائه العرقي كزنجي اسود. اما دولة اسرائيل فان وضعها الجغرافي داخل جنوب العالم لايعني شيئا لانها تمثل امتدادا اقتصاديا للطبقة الحاكمة صاحبة الثروة في الغرب التي بدورها تخضع للنفوذ المالي اليهودي هناك فالنظام المصرفي في الغرب، شريان الحياة للصناعة والنشاط التجاري، احتكار يهودي. والمشكلة التي يعكسها اجتماع مؤتمر دوربان هي انه بينما نجد ان الذين يملكون متضامنون داخل جبهة عالمية موحدة، فان الذين لايملكون مشتتون لايلتقون الا موسميا في مؤتمرات عالمية تصدر قرارات وتوصيات ينتهى سريان مفعولها بانفضاض المؤتمر.