عادة ما تنعكس مراحل الضعف التي تمر بها الامم المتحدة على كافة مجالات الحياة، غير ان اخطر هذه المجالات عادة ما يكون مجال الفكر والثقافة والابداع. وحينما تعيش امة مرحلة من مراحل الاحادية حتى في التفكير والثقافة، ثم تأتي مرحلة تالية تتعدد فيها الافكار والمناهج والرؤى وفق التنوع البشري الذي فطر الله عليه الناس، يبرز بعض بقايا دعاة الفكر الاحادي والمستفيدين من بقائه ليصفوا كل من يخالفهم بكل الاتهامات، حتى لو وصل الامر ـ وعادة ما يصل ـ الى اتهام الآخر بالعمالة والخيانة والعداء للأمة. وعادة ما يكون اسلوب هؤلاء ومنهجهم مليئا بالاسفاف والانحطاط اللغوي والفكري، وعادة ما يخلو من كل فكرة او نقاش موضوعي او نقد منهجي، وإنما يعتمد على عنوان مثير ثم عبارات وجمل وفقرات مليئة بالبذاءات والصفاقة والشتائم والاتهامات والاكاذيب والسباب للآخر، معتمدين على قاموس لغوي لا يستخدمه الا أراذل الناس وسفهاؤهم، وهذا هو اسهل انواع الكتابة بل وأفضلها لدى هؤلاء، لا يجهد احدهم ذهنه او فكره ولو للحظة واحدة لفهم ما يقال او ما يكتب طالما انه لا يتفق مع احاديته او انه يخالف تفكيره، بل انه يصم اذنيه ويغلق عينيه، ويلغي عقله ثم يفتح فمه بالشتائم ويوجه قلمه بالسباب، وهو يعتقد ـ واهما ـ ان الجماهير سوف تصفق له على بذاءته وعلى انحطاطه وتخلفه. لقد اصبح دعاة الاحادية الفكرية من انصاف المثقفين ممن تفتح لهم ليس الصفحات فقط وإنما احيانا المؤسسات، هم سبب البلاء والكوارث الاساسية التي تعيشها الامة لانهم لا يريدون لأي شخص مبدع او مفكر او مثقف آخر ان يقول كلمته او يعبر عن فكرته او يشارك باقتراحه، طالما انه لا ينتمي لمدرستهم التي اضمحلت ولم يعد لها وجود في عصر المعلومات والافكار المفتوحة، وسرعان ما يوجهون له كافة اقلامهم المسمومة في محاولة لقتله واغتياله وتشويه صورته لدى العامة لمجرد انه لا ينتمي اليهم، وأصبح كل من يختلف معهم عدوا وعميلا وخائنا وجاسوسا يعمل لجهات متناقضة ومتباينة في آن واحد. وأكثر ما يرعب هؤلاء ويفقدهم التوازن هو فتح صفحات التاريخ لا سيما التاريخ القريب الذي يعتبر واقعنا امتدادا طبيعيا له ولافرازاته، لسبب رئيسي هو انهم ليسوا سوى امتداد لأخطاء هذا التاريخ وسلبياته ولو لم تعرف امة اخطاء تاريخها ما وعت حاضرها ولا استطاعت ان تخطط لمستقبلها، وصناع التاريخ هم بشر لهم اجتهادات بشرية تدخل في اطار الصواب والخطأ وتناولها بحقائقها التي كانت عليها وليس بأكاذيبها التي اشيعت عنها، هي حق وواجب على الجميع ان يسعى لتحقيقه كبيان للحقيقة وانصاف للواقع وادراك للمستقبل. وفتح ملفات التاريخ ليس نبشا للقبور ولا تشويها للجثث كما يصفه بعض قصار النظر ومحدودي التفكير من هؤلاء ولكن الامم الناهضة هي التي عرفت حقائق ماضيها كما حدثت، وليس كما صورت من قبل المزورين والمستفيدين من تاريخ الانظمة. ان الحرص على رسم وتوصيف رجال السياسة والتاريخ على انهم ملائكة وان كل ما فعلوه ويفعلونه هو الصواب وما سواه هو الخطأ، هو خيانة للأجيال وللأمانة العلمية، وهو سبب الكوارث التي تعيشها الامة، وهي الدعوة التي يمارسها انصاف المثقفين الذين ما زالوا يحملون الافكار الشمولية والاحادية، وان مهمة كل مثقف امين هي بيان ان هؤلاء ليسوا سوى بشر اجتهدوا حينما تحملوا المسئولية وان غض الطرف عن فهم رؤية الاحداث كما وقعت انما هو قصور في الفهم، وغياب عن ادراك الواقع ولنا في الامم المتقدمة الآن مثال على كيفية تناول تاريخهم والتعامل مع حكامهم. ان العالم اليوم يقوم على تعددية الافكار وقبول الآخر ومحاولة فهمه والاستماع له والاختلاف معه وفق قواعد واصول الاختلاف والنقد. اما ان يتحول بعض المثقفين ذوي الفكر الاحادي الى ان يصبحوا رجال امن وجلادين وسفهاء وذوي قصور في التفكير والرؤية ويعتقدوا بفكرهم ان الشتائم يمكن ان تهدم الآخرين، فهذا وهم وعجز وجهل فكل انسان تعب على صناعة نفسه واعداد عقله والحفاظ على حريته والانطلاق في ابداعه وعطائه لأمته لن يدمره مقال سفيه او اكاذيب ملفقة وما اسهل الرد عليها بمثلها لكن النفوس الكبيرة عادة ما تترفع ولا تنشغل بالتفاهات، وانما تترك المجال لابداعها ورقيها وسموها ان يعلوا وان يقدم للناس ما يرتقى بهم لا ما يجعلهم يعيشون في الحضيض. لقد انتهى زمن الوصاية على الناس وعقولهم وزمن التحدث باسم الامة والتعبير عنها من قبل هؤلاء الاحاديين، ولم يعد امام هؤلاء الا الدخول في رحاب التنوع وقبول الآخر، والا فإن مصيرهم لن يكون التاريخ وإنما مزبلته. ـ كاتب وإعلامي مصري