لماذا يحرص دبلوماسيون غربيون على متابعة لصيقة لمجريات محاكمة في بلد اسلامي لا يواجه فيها المتهمون اتهامات ذات طبيعة سياسية؟ في جلسات محكمة امن الدولة في القاهرة يمثل 52 رجلا تتراوح اعمارهم بين الشباب ومنتصف العمر لا لأنهم «متطرفون اسلاميون» ارتكبوا اعمالا ارهابية وإنما على النقيض من ذلك. فهم متهمون بممارسة الشذوذ الجنسي كمجموعة رفاق وأصدقاء يتخذون من عوامة نيلية ما يمكن ان يعتبر ناديا. فما الذي يدفع سفارات الولايات المتحدة وكندا وبلجيكا وسويسرا والدنمارك المعتمدة في العاصمة المصرية لكي تكلف كل منها احد اعضاء هيئتها الدبلوماسية ليتفرغ لمتابعة محاكمة تتعلق وفقا للمعايير الغربية بمسألة جنسية صرفة؟ الاجابة على السؤال لا تخلو من عنصر سخرية. فبينما هبت جماعات حقوق الانسان في الغرب ومعها منظمات الشواذ جنسيا ـ او «مثليي الجنس» كما يحب اعضاؤها ومريدوها ان يطلقوا على انفسهم ـ تدافع بشتى الوسائل الاحتجاجية عن الرفاق المصريين، فإن هؤلاء الرفاق باتوا يتمنون لو ان مؤيديهم الغربيين التزموا السكوت. فبالرغم من ان الشذوذ الجنسي هو الشذوذ الجنسي في اي مكان او زمان الا ان شذاذ الغرب نسوا في حمأة الحماسة الاحتجاجية الفارق الفاصل في مرجعية القيم الثقافية بين مجتمع غربي ومجتمع اسلامي. وكالصديق الجاهل الذي يفضل عليه العدو العاقل تسببوا في المزيد من الحرج لمن أرادوا ان يدافعوا عنهم. لقد نقلت وكالات الانباء العالمية عن دبلوماسي غربي في القاهرة قوله: «اننا نهتم بهذه القضية (قضية محاكمة الرجال المصريين) لاننا نولي اهمية كبيرة لحرية الميول الجنسية» لكن في المقابل قال بعض المتهمين للصحفيين ان تأييد الجماعات الغربية لهم «ليس موضع ترحيب».. لماذا؟ «لأنه ليس من شأنه الا ان يزيد الامور سوءا». وهكذا تتبلور القضية في اطار اكبر كصدام بين حضارتين متناقضتين. وكون ان المحاكمة التي تجرى في القاهرة لم تصل بعد الى نهايتها سواء باصدار ادانة او براءة الا ان فارق القيم الثقافية بين مجتمعين يبقى. فحتى لو ثبت قانونيا ان هؤلاء الرجال المتهمين هم في الحقيقة ابرياء من التهم الموجهة اليهم فإن المغزى لا ينحصر في الاطار القانوني وإنما في مبدأ تحدى المجتمع الاسلامي وقيمه المستمدة من القرآن والسنة من مجموعة خارجة عليه يتخذ تحديها طابع القيم السلوكية الغربية. ان هذا لا يعني بالطبع ان مجتمعات العالم الاسلامي خالية تماما من مرتكبي الانحرافات السلوكية المحرمة اسلاميا بما في ذلك افعال الشذوذ الجنسي على مستوى الحالات الفردية. لكن الحالات الفردية التي غالبا ما تمارس في الخفاء، وربما على قدر من الاستحياء، شيء يختلف عنه تماما ان يتنادى افراد الى تكوين جماعة بما يشبه تنظيما ثابتا لانشاء ناد لممارسة الانحراف الجنسي تحت مظلة من شعارات مستمدة من قيم «الحرية الشخصية» في الغرب وكأنها النموذج السلوكي المثالي. ان هذا بالطبع يحدث في الغرب دون ان يثير استهجانا.. وربما يثير اعجابا على اساس انه انتصار لمبدأ «حرية الاختيار». لكنه في المجتمع الاسلامي يعتبر تحديا صفيقا لمرجعية القيم في ذلك المجتمع. ولننظر في الامر من زاوية أعرض. ففي المجتمعات الاسلامية في بعض أجزاء الوطن العربي يتفاعل صراع بين القيم السلوكية الاسلامية كقيم موروثة وراسخة الجذور وأخلاقيات اقتصاد السوق بالمفهوم الرأسمالي الغربي. فما تبشر به فلسفة اقتصاد السوق هو الاقتناء المادي النابع من الطموح الشخصي الممتزج بالشره والطمع: اسع وراء المال والاقتناء على مدار الساعة ولا تدع ما يسمى بالحواجز الاخلاقية تعوق مسعاك. وفي حمأة هذا السعي المحموم تتساقط مفاهيم مثل «الشرف» و«الاستقامة» و«المروءة».