اننا نقترب الان من نهاية صيف طويل ساخن. وفي غضون ايام قلائل سيعود كل من الرئيس بوش والكونجرس الى واشنطن وسيعود العمل كالمعتاد الى المدينة. وعلى الرغم من تلقي بوش للانتقاد الاولي للرقم القياسي الذي حققه في عطلته التي امضاها في تكساس، الا انه خدع منتقديه، فقد حاول الرئيس الامريكي من خلال القيام بزيارات اعد لها بصورة جيدة لولايات الغرب الاوسط والغرب ان يستخدم الشهر الذي امضاه خارج واشنطن لتركيز الاهتمام على العناصر الاساسية في برنامجه المحلي. وبوجود الكونجرس في اجازة، فان بوش يكون قد انتزع البيت الابيض من واشنطن في اطار جهد يبذله لاستعادة قصب السبق في السجال السياسي. واتخذت هذه العطلة العملية طابع الحملة السياسية التي لا ينقصها الاسترخاء، بالاسلوب نفسه وببعض الموضوعات ذاتها التي اتسمت بها حملة بوش لعام 2000. وتمثلت الرسالة التي بعث بها في أنه ليس احد سياسي واشنطن، وانما هو من قلب البلاد، ويعكس افكار الامريكيين العاديين وقيمهم. غير ان الاحداث ادت الى تعقيد خطة بوش، وفيما هو يعود الى العاصمة قد يجد ان الخريف اكثر سخونة من صيف واشنطن. فعلى سبيل المثال تلقت الادارة الامريكية في الاسبوع الماضي ضربة كبرى عندما كشف مكتب الميزانية التابع للكونجرس عن احصاءاته السنوية، كاشفا النقاب عن ان فائض الميزانية المتوقع يقل بصورة ملموسة عن التقديرات الاولية للبيت الابيض، وكانت ارقام مكتب الميزانية التابع للكونجرس بالغة الانخفاض بحيث انها قدرت انه لكي تمضي الحكومة قدما بالانفاق المخطط له فانه سيكون مطلوبا منها ان تمد يدها الى ذلك الجزء من الفائض الذي تولده عوائد الضمان الاجتماعي. وينبغي ان يكون مفهوما انه خلال السنوات العديدة الماضية كانت الفوائض المخطط لها تتمثل في جزأين، هما الفوائض المستمدة من العوائد العامة والفوائض المستمدة من مدفوعات الضمان الاجتماعي التي يدفعها العاملون الامريكيون. وقد وصل معظم الجمهوريين وبعض الديمقراطيين في الكونجرس الى اعتبار ان فائض الضمان الاجتماعي شيء غير قابل للمساس به. وقد يمكن تذكر انه في عام 2000 اقترح المرشح الرئاسي آل جور «صندوقا مغلقا» لفائض الضمان الاجتماعي، وذهب الى القول ان تلك العوائد السنوية الزائدة ستمس الحاجة اليها في المستقبل لدفع قيمة المزايا التي سيحصل عليها جيل طفرة الانجاب عندما يتقاعد في غضون العقد المقبل. وجرى ايضاح ان استخدام عوائد الضمان الاجتماعي لتغطية العجز في نفقات تشغيل الحكومة سنويا ليس من شأنه الا ان يعمل بقدوم ذلك اليوم الذي سيعلن فيه صندوق الضمان الاجتماعي وهو ما من شأنه الحاق الضرر بالنظام التقاعدي لأجيال المستقبل. على أي حال، فانه عندما يتم توقع وجود فوائض كبيرة بالنسبة لكل من العوائد العامة وعوائد الضمان الاجتماعي للعقد المقبل على الاقل، فان الطرح الخاص بـ «الصندوق المغلق» لا يؤخذ مأخذ الجد. وقد غير عاملان هذا كله، كما تراجع الاقتصاد وبرامج الخفض الضريبي التي اقترحها الرئيس واعتمدت في صلب قانون أقره الكونجرس في اوائل العام الحالي، حيث يبدو ان هذين العاملين قد اندمجا ليخفضا العائدات بشدة وليكتسحا الفائض غير المتعلق بالضمان الاجتماعي كله. وتحكي الارقام وقائع القصة بكاملها، ففي ابريل الماضي كان البيت الابيض لا يزال يتوقع فائضا اجماليا قيمته 281 مليار دولار، واحصاءات البيت الابيض الجديدة تقف عند 158 مليار دولار فحسب «مع مجيئ 157 مليار دولار من الضمان الاجتماعي ومليار دولار واحد من العوائد العامة) وتعد ارقام مكتب الميزانية التابع للكونجرس اكثر انخفاضا حيث تتضمن الاشارة الى 148 مليار دولار مع تقدير انه سيتعين على ادارة الرئيس بوش في ضوء تقديرات الانفاق الراهنة ان تنفق 9 مليارات دولار من عوائد الضمان الاجتماعي. يجيء هذا كله مفاجأة لكل من الرئيس الامريكي وللولايات المتحدة في مجملها. وهكذا فانه مع عودة الكونجرس في الخريف المقبل يمكن توقع انهماكه في نقاش محتدم حول كل من اولويات الميزانية ومتطلبات الانفاق الجديد التي قد يطرحها الرئيس الامريكي. وبما ان وزارة الدفاع، على سبيل المثال قد اعلنت مقترحاتها لميزانية العام الجديد داعية لزيادة في الانفاق قدرها 184 مليار دولار، فان هذا يمكن ان يتوقع تحويله الى موضوع لنقاش محتدم في الكونجرس، بل ان بعض الاعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ يناقشون الآن اعادة فتح النقاش فيما يتعلق ببرنامج الرئيس الامريكي للخفض الضريبي، وهو البرنامج الذي يقولون انه يتبين الآن انه كان غير مسئول على الصعيد المالي، وسيرد الرئيس الامريكي، بالطبع، بالدفاع عن خفضه الضريبي وبالقاء العبء على كاهل الكونجرس في خفض الانفاق. وهذا النقاش الايديولوجي حول الموضوعات المتعلقة بالميزانية ودور الحكومة وحجمها كان هو ما دارت حوله انتخابات عام 2000 وسيستمر هذا الموضوع في اثارة الجدل حوله. واذا لم تكن هذه الموضوعات المتعلقة بالميزانية اشكالية بما فيه الكفاية بالنسبة للرئيس الامريكي، فانه سيواجه كذلك تحديات حول بعض الموضوعات في اجندته الاجتماعية كذلك. وينبغي ان نتذكر ان ظهور بوش العام الاول بعد بداية اجازته تمثل في توجيه «خطاب الى الأمة» حول موضوع ابحاث الخلايا الجزعية. وقد جاء هذا الخطاب في نهاية ما وصف بأنه فترة طويلة، ومكثفة من التفكير والنقاش من جانب الرئيس حول العواقب الاخلاقية لهذه المسألة. ويبدو ان الحل الذي طرحه والذي قدم على انه حل وسط معد بحرص لم يسكت المعارضة من جانب طرفي النقاش كليهما، وحيث انه يرى طرح الاسئلة الآن حول مدى دقة بعض المعلومات التي استخدمها بوش في خطابه لتبرير موقفه، فليس هناك شك في ان هذه القضية سوف يحتدم النقاش حولها حتى الخريف المقبل. وهناك مجال آخر يتوقع ان تخوض ادارة الرئيس بوش غمار جدال محتدم فيه وهو مسألة منح العفو لحوالي مليون مهاجر مكسيكي بطريقة غير مشروعة يعملون الآن في الولايات المتحدة، وقد كانت الادارة هي التي اوجدت هذه المشكلة باطلاقها بالون اختبار منذ اشهر قلائل باقتراحها اصدار عفو عام. وقد اشير مبدئيا الى انه اذا نفذ هذا الاقتراح فان الجمهوريين قد يستفيدون من رد الفعل الايجابي من الجالية اللاتينية، وهي احدى اكبر الكتل الانتخابية الامريكية. ولكن عددا من التعقيدات طرأ. ورفض الاعضاء الجمهوريون في الكونجرس الفكرة لسببين محددين. فقد ذهب البعض الى القول ان الامريكيين ذوي الاصل اللاتيني يمنحون اصواتهم للديمقراطيين على أي حال ومن شأن اضافة ملايين جديدة من الناخبين اللاتينيين ان تعطي نتائج عكسية بالنسبة لمصالح الحزب. والامر الاكثر اهمية هو ان آخرين قد عارضوا هذه الفكرة، وذهبوا الى القول انها تقدم مكافأة لمن ينتهكون القانون. وبدورهم بدا الامريكيون من اصل لاتيني بعيدين عن التأثر، وذهبوا الى القول ان ما يجري تطبيقه في هذا الصدد ليس الا معايير مزدوجة، حيث يستفيد منه المكسيكيون وحدهم بينما يحجب العفو عن المهاجرين من امريكا اللاتينية. وعلى أي حال فان هذه القضية مطروحة الآن للنقاش وسيرغم الرئيس الامريكي على التعامل معها ومع المعارضة التي اثارتها عندما يستأنف الكونجرس اعماله. واذا لم تكن هذه القضاية كافية لتعقيد عودة بوش، فانه سيواجه عددا من مشكلات السياسة الخارجية التي يتعين عليه التعامل معها كذلك. هناك قلق متواصل حول قرار الادارة الامريكية بالتراجع عن معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية وللمضي قدما بالخطط الرامية لبناء الدرع الدفاعية الصاروخية المثير للجدل. ويواصل المنتقدون لهذا البرنامج وصفه بأنه لم تجر تجربة وبأن تكلفته باهظة للغاية. ولم يؤد قرار الادارة الامريكية بارسال وفد متواضع المستوى لحضور مؤتمر الامم المتحدة ضد العنصرية الى اغضاب العالم العربي فحسب وانما اكد الانطباع بأن الولايات المتحدة تحجم عن المشاركة في الاتفاقات والملتقيات الدولية كما انه ادى الى اثارة الضيق لدى العديد من الامريكيين الافارقة كذلك. ومع استمرار غليان الصراع في الشرق الاوسط، فان معالجة الادارة الامريكية لهذا الموضوع تلقى بعض الانتقاد. وفي الاسابيع الاخيرة انتقد بعض اعضاء مجلس الشيوخ ذوي النفوذ عدم قيام الادارة بجهود على مستوى رفيع لاعادة الهدوء الى ساحة الاشتباكات الاسرائيلية الفلسطينية. ولكن هذه الاصوات لن تكون الاصوات الوحيدة التي ستسمعها الادارة، وانما ستكون هناك اندفاعة مؤيدة في الكونجرس يقودها اللوبي المؤيد لاسرائيل للتحرك لانزال العقاب بالفسطينيين عن طريق حرمانهم من المساعدة الامريكية وتجريم وجود منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة. وبينما من المأمول فيه ان الادارة الامريكية ستقاوم هذه الجهود فان النقاش سيكون محتدما تماما. واليوم فانه حتى من يتعاطف مع ادارة بوش من الامريكيين العرب لم يتأثروا بأداء البيت الأبيض فيما يتعلق بالقضايا ذات الصلة بالفلسطينيين، وهناك بعض القلق من ان الخريف قد يجلب معه المزيد من انتكاسات للسياسة الامريكية حيال الشرق الاوسط. على اي حال فان الخريف المقبل سيكون خريفاً ساخناً في العاصمة الامريكية، حيث ستواجه ادارة بوش عددا كبيرا من الاختبارات فيما يتعلق بالقضايا الداخلية والخارجية على السواء. ـ رئيس المعهد الأمريكي العربي بواشنطن