ببراعة شديدة تستعيد الولايات المتحدة صورتها الحقيقية في العالم باعتبارها العدو الأساسي لكل آمال وطموحات الأمة العربية! وكانت الولايات المتحدة الأمريكية في حربها للسيطرة على المنطقة ووراثة الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية في منتصف القرن قد حاولت زرع صورة مزيفة لها باعتبارها نصير الحرية وحقوق الإنسان، ولكنها ما أن أصطدمت بطموحاتنا العربية في عصر النهوض القومي حتى كشرت عن أنيابها ودخلت في صراع رهيب مع قوى التقدم والوحدة التي كان أبرزها نظام عبد الناصر وتجربته المهمة التي ألهمت العالم العربي أحلام التحرر والنهوض القومي. واستخدمت الولايات المتحدة في صراعها كل أسلحتها.. من المؤامرات إلى الحصار الاقتصادي إلى العدوان العسكري عن طريق إسرائيل والذي حقق ضربة كاسحة في عام 67 كان يفترض فيها أن تكتب كلمة النهاية في المقاومة العربية للهيمنة الأمريكية والسيطرة الإسرائيلية. ولكن مصر حققت المعجزة، واستطاعت بقيادة عبد الناصر أن تجتاز المحنة وأن تبني جيش العبور الذي استطاع مع الجيش السوري أن يلحق الهزيمة بإسرائيل المدعومة بترسانة السلاح الأمريكي المفتوحة وبدعم سياسي واقتصادي أمريكي بلا حدود. ولم تستسلم أمريكا لنتائج حرب أكتوبر وما أطلقته مرة أخرى من آمال عربية ليس فقط في المواجهة مع إسرائيل، وإنما أيضا في استثمار التحالف العربي الواسع الذي حقق الإنتصار والذي ضم أطرافا عديدة جمعت القوة العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية ثم استخدام سلاح البترول العربي لأول مرة. وبدأت أمريكا على الفور في وضع استراتيجيتها لضرب هذا التحالف العربي الهام، ولإجهاض أحلام بناء قوة اقتصادية وعسكرية عربية قادرة على الدفاع عن المصالح العربية، ثم لضرب سلاح البترول وإعادة السيطرة لأمريكا وحلفائها على سوقه العالمية. ونجحت أمريكا في مخططاتها، خاصة بعد رهان السادات على الدور الأمريكي، والتطورات الخطيرة التي إنتهت بكامب ديفيد والمعاهدة المصرية الإسرائيلية التي بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وتم ضرب الحلم العربي ببناء القوة السادسة في العالم، وتراجعت إمكانيات المواجهة مع إسرائيل، وتدعم النفوذ الأمريكي في المنطقة وعولجت قضية البترول وفقا لإستراتيجية كيسنجر التي أعادت السيطرة لأمريكا وحلفائها. وتلاحقت الأحداث بعد ذلك، حتى كان الحدثان الهامان في بداية التسعينيات.. إنهيار الإتحاد السوفييتي وإنفراد أمريكا بزعامة العالم، ثم سعيها لإثارة ترتيب الأوضاع في المنطقة العربية من خلال حرب الخليج الثانية التي أعطتها مالم تحلم به.. القضاء على قوة العراق العسكرية والاقتصادية، والسيطرة على الخليج، والقبول العربي شبه الكامل بأن أوراق اللعبة ـ وكل اللعبات ـ هي في يد واشنطن، والتسليم بأن الداعم الأساسي لإسرائيل هو الوحيد المؤهل للجمع بين دور الخصم والحكم، والوصول إلى التسوية الشاملة العادلة للصراع العربي ـ الإسرائيلي. ومن حرب الخليج، إلى مؤتمر مدريد، إلى أوسلو وملحقاتها..تحقق لواشنطن كل شئ، إمتد نفوذها السياسي الاقتصادي إلى كل بقعة في العالم العربي، وإنتصرت سياساتها البترولية، وانتشرت قواعدها العسكرية في المنطقة، ووضعت الخليج تحت حمايتها، وفرضت الحصار على من وضعته في خانة الاعداء، وإمتدت يدها تعاقب من يتمرد على سياستها، وفي نفس الوقت حصلت على الإقرار الرسمي العربي بأنها لا تملك 99% فقط من أوراق اللعبة فيما يخص تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بل تملك كل الأوراق جميعها وبدون شريك روسي أو أوروبي ولا حتى الأمم المتحدة نفسها. لكن التجربة كانت مريرة. وعبر عشر سنوات خسرت الأمة العربية الكثير. تم استنزاف الثروة العربية والبترول العربي، وظل العراق تحت الحصار الجائر، وظل الخليج تحت وطأة الاستغلال البشع، ووضعت كل دولة عربية تقاوم في خانة الإرهاب، وثم استخدام كل الضغوط الممكنة وغير الممكنة لمنع المصالحة العربية،ولضرب محاولات الوحدة الاقتصادية، وللإقرار بتسوية إسرائيلية للصراع مع العرب تضرب عرض الحائط بقرارات الشرعية الدولية وبالحقوق التاريخية للعرب، وتحاول تكريس إسرائيل كقوة مسيطرة في المنطقة بالنيابة عن أمريكا، ولحسابها! كانت أمريكا تتصرف خلال العقد الأخير على أساس أن النظام العربي قد لقي هزيمته التاريخية والنهائية في حرب الخليج، وأن عليه أن يقبل صاغرا بنتائج هذه الهزيمة وإنقساما دائما بين صفوفه، واستنزافا لموارده، وابتعادا عن أحلام الوحدة والنهوض، وقبولا بالأمر الواقع وبالخريطة التي تضعها أمريكا للمنطقة،وإقرارا بما تفرزه موازين القوى التي فرضتها أمريكا والتي تجعل من إسرائيل القوة الاساسية في المنطقة، والرضا بأي حل يتقرر للصراع العربي ـ الإسرائيلي حتى ولو كان الحل هو الحل الإسرائيلي كاملا غير منقوص. وكان النظام العربي يزداد إنكشافا، والقدرة على مواجهة التحديات تتقلص، والضغوط تتزايد من أجل الإقرار بالأمر الواقع، والحل العادل الشامل الذي وعدت به واشنطن للقضية الفلسطينية يتحول إلى سلسلة لا تنتهي من التنازلات العربية المجانية والغطرسة الإسرائيلية التي تتزايد مع الإحساس المتنامي بالخلل الرهيب في موازين القوة ومع الدعم الأمريكي الذي لم تعد له حدود. ورغم كل شئ، إستطاعت واشنطن أن تمسك جيدا بخيوط اللعبة، وأن تلعب ببراعة دور الباحث عن السلام في المنطقة،وأن تجبر الأطراف العربية على قبول إنحيازها لإسرائيل باعتباره أمرا واقعا لا يفسد للود قضية، وأن تستغل العجز العربي عن رؤية أي بديل في فرض رؤيتها وإنتزاع التنازلات مع الاحتفاظ بأن الحل قادم والتسوية المطلوبة في الطريق.. حتى انفجر الموقف في كامب ديفيد الثانية وأدرك الفلسطينيون والعرب أن المطلوب هو التسليم الكامل بالحل الإسرائيلي ودون قيد أو شرط.وتتداعى الأحداث، وتتفجر إنتفاضة الأقصى لتقلب الأوضاع رأسا على عقب ويشتعل الشارع العربي بالغضب، وتضطر الأنظمة العربية للتحرك، ويتطلع الجميع إلى واشنطن باعتبارها القادرة على وقف جنون شارون وسفالة إسرائيل ، ووضع حد لحرب الإبادة التي يخوضها الكيان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني قبل أن تتفجر المنطقة كلها. ولكن واشنطن كان لها حساباتها الأخرى. فواشنطن ترى أن هذه لحظة مناسبة لضرب أي بؤر عربية للمقاومة مازالت تدب فيها الحياة، وفرض القبول ـ من الجميع ـ بالهيمنة الأمريكية الكاملة على مقدرات المنطقة. وهي ترى أن استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية لن يحقق أهداف إسرائيل في تركيع الفلسطينيين فقط، بل إنه سيجبر باقي الأنظمة العربية التوسل لأمريكا لتوقف هذه المأساة.. ليس من باب إيقاف مذبحة الفلسطينيين فقط، بل أيضا من أجل إنقاذ الأوضاع الداخلية في بلاد عربية كثيرة تعرف أنها تعيش على قنبلة موقوتة قد يفجرها الغضب الشعبي المكتوم على المهانة التي يعيشها العرب مع كل يوم من أيام المذبحة الإسرائيلية. وواشنطن تدرك خطورة ما فعلته الإنتفاضة حين أعادت قضية فلسطين إلى موقعها السابق كقضية العرب المركزية الأولى، وأعادت أيضا وجهها الحقيقي كقضية شعب يناضل أبشع استعمار استيطاني من أجل الحرية والاستقلال، ولم تعد قضية خلاف على بضعة كيلو مترات اغتصبها اليهود، ولا حتى على القدس وحدها أو الأقصى الذي يريدون تقسيمه! وواشنطن تدرك ـ قبل غيرها ـ خطورة أن تنتصر هذه الرؤية التي أفرزتها الإنتفاضة. وإذا كانت أمريكا قد قبلت أن تلحق المهانة بإسرائيل في لبنان كما سبق أن لحقتها هي نفسها، فإن الوضع في لبنان يختلف.. فلا أمريكا ولا إسرائيل قد دخلت لبنان لتبقى ،وإنما لتفرض إرادتها وقد فشلتا في ذلك ولكن الفشل هنا يمكن تحمل آثاره. أما الهزيمة في فلسطين فهي غير مقبولة، لأنها لا تعني فقط بداية النهاية للمشروع الصهيوني، ولكنها أيضا تعني خسارة فادحة للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.. فإنتصار الإنتفاضة يعني أن الحل الأمريكي ـ الإسرائيلي للقضية الفلسطينية لن يتحقق، وأن النفوذ الأمريكي سيتقلص، وأن القوى القومية سيشد عودها وأن نتائج حرب الخليج ستعالج عربيا،وأن جزءا كبيرا من أوراق اللعبة التي احتكرتها أمريكا سيعود لأصحابه. من هنا يأتي الرهان الأمريكي على شارون، والمجازفة بكل شئ من أجل إنهاء الإنتفاضة. ولعل عجز الأنظمة العربية وصمت الشارع العربي يغريان أمريكا بالمضي في رهانها على إنهاء الإنتفاضة بكل ما تمثله من مخاطر على المصالح الأمريكية والوجود الصهيوني. ومن هنا يتطور الموقف الأمريكي من المطالبة بضبط النفس والتعهد بمواصلة جهودها لتهدئة الموقف، إلى الدعم الخجول لسياسة شارون والضغط على الفلسطينيين والعرب لوقف العنف، إلى التواطؤ الكامل وإعطاء المشروعية لحرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، إلى توفير الحماية السياسية والدبلوماسية ومنع مجلس الأمن من إرسال مراقبين دوليين لوقف المذابح الإسرائيلية، إلى أن وصل الأمر إلى القيام بدور التحريض للإسرائيليين لمواصلة عدوانهم الحقير والسكوت على استخدام الطائرات والدبابات والصواريخ الأمريكية في قصف المدنيين وهدم المنازل واغتيال القيادات السياسية. وتبقى المعادلة كالتالي: إسرائيل تصعد من عدوانها الوحشي ضد الفلسطينيين.. ليس لأن شارون سفاح، ولا لأن جنرالاته مجرمو حرب فحسب.. بل لأن أمريكا تريد ذلك وتشجع عليه، ولو شاءت أمريكا إيقاف هذا كله. لتوقف في لحظة. وأمريكا تفعل ذلك لأنها ترى أن الإنتفاضة إذا فرضت رؤيتها، فإنها تضع كلمة النهاية للتوسيع الإسرائيلي، وتضع السياسة الأمريكية بالمنطقة في مأزق، وتجبر الجميع على إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة بما يلائم المصالح العربية. وأمريكا تفعل ذلك وهي تدرك أنها تستعيد مرة أخرى صورتها الكريهة لدى الرأي العام العربي، ولكنها تتصور أن مصالحها ستبقى آمنة طالما ظل الغضب العربي في الصدور، وطالما ظل العجز القاتل يقيد حركة الأنظمة، وطالما ظل البعض يتصور أن مصيره مرتبط بالرضا الأمريكي، وطالما ظلت الحركة العربية الرسمية لا تتجاوز منطقة مناشدة واشنطن أن تتحرك لإنقاذ الموقف قبل أن ينفجر في وجه الجميع! في أقل من عام من عمر الإنتفاضة سقطت الاقنعة، وفهم العرب مرة أخرى ما غاب عنهم في ظل عقد من الزمان إنفردت فيه أمريكا بشئون المنطقة والعالم، وأشاعت الآمال الكاذبة عن سلام عادل وعن رخاء قادم وعن مصالح مشتركة مع العرب يجب الحفاظ عليها. والآن تعود الحقيقة لتؤكد نفسها، ويكتشف العرب أن الخطر الصهيوني يواجههم جميعا ويهددهم بمصير الفلسطينيين تحت الاحتلال أو خارج الوطن، ويتأكد للعرب جميعا أن المواجهة الاساسية هي مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تتعامل معهم باعتبارهم أمة إنتهى أمرها وأنظمة تعيش بالرضا الأمريكي وتخشى من شعوبها أكثر مما تخشى من العدو الصهيوني. وقد آن للعرب أن يواجهوا الحقيقة قبل أن يداهمهم الأسوأ وهو كثيرا عند أمريكا وإسرائيل وآن للأنظمة العربية أن تقترب من نبض الشارع الذي هده اليأس فاعتصم بالصمت الذي يخفي بركانا من الغضب. وآن للجماهير أن تترجم غضبها إلى حركة واعية. وآن للجميع أن يضعوا كل الإمكانيات العربية من أجل أن تستمر الإنتفاضة وتتصاعد المقاومة، وأن يضعوا أمريكا أمام الخيار المر: مصالحها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، أو إستمرار سياستها الحالية التي تحولت فيها من راع مزعوم للسلام إلى شريك في العدوان على العرب.. بالصمت أحيانا، وبالتواطؤ أحيانا، وبالتحريض أحيانا، وبالدعم لآلة العدوان الإسرائيلية في كل الأوقات. ـ نائب رئيس تحرير جريدة «أخبار اليوم » المصرية