استوقفتني كثيرا تلك الظاهرة أو «بالأدق» الرذيلة الاجتماعية التي لم تعرفها مجتمعاتنا القديمة رغم ما يعرف عن ماضينا من انه كان زمن قسوة في العيش ومعاناة في تحصيل الرزق. وكان لابد ان تستوقفني «الطرارة» وتعني التسول بلهجة أهلنا في الخليج خاصة وانها ظاهرة غير حضارية وقد انتشرت بين ظهرانينا بعد طفرة النفط وما تبعها من تغيرات وتحولات جلبت لنا الكثير من الظواهر الوافدة والسلوكيات الدخيلة ورغم ان مجتمعنا لم يعرف الطرارة في الماضي ويستنكرها في الحاضر إلا ان استفحال الظاهرة يشير بما لا يقبل الشك إلى انها تحولت لدى البعض إلى حرفة مرغوبة توفر مصدرا ثابتا ودائما للدخل يعتمد اساسا على طيبة اهل البلاد وسخائهم في العطاء لكل غريب او محتاج. وعلى كثرة ما نشاهده هنا في الامارات من جمعيات ومؤسسات خيرية تسعى جاهدة وبإمكانات ضخمة لمعاونة اصحاب الحاجات الخاصة او منكوبي الظروف والكوارث إلا ان استمراء بعض الكسالى وضعاف النفوس قد جعلنا نواجه وبشكل حاد مظاهر مؤسفة تسيء إلينا ونحن منها براء. ويبدو جليا لكل راصد متعمق ان الطرار اي المتسول في وقتنا الحاضر لم يعد ذلك المسكين الذي يفترش الارض على قارعة الطريق أو أمام اي مسجد او مؤسسة خدمية بل ان هذه الصورة التقليدية للطرار لم تعد هي السائدة اليوم بعد ان اخذ التسول يظهر اشكالا تتماشى مع ايقاع العصر وطبيعة اهله، خاصة في ظل تصدي الجهات الأمنية لهذه الظاهرة الدخيلة التي تسيء الى المجتمع كله. والذي يعرف العالم من حولنا ان افراده ـ بنعمة الله وفضله ـ لا يعانون العوز والفاقة اللذين قد يكونا لدى مجتمعات اخرى من اهم اسباب احتراف التسول. ولم يعد المتسول ايضا يعتمد على دغدغة مشاعر الناس وبث الكلمات التي تثير عطف وشفقة المحسنين، وكذلك لم نعد نراه في ثوب بال مليء بالرقع والثقوب، فتلك الصورة النمطية اختفت من عالم المتسولين لتحل محلها اساليب وطرائق كثيرة وذات اثر وتحقق لصاحبها مردودا افضل، لقد اصبح من المألوف ان ترى شخصا يتجه نحوك في جرأة تحسبه للوهلة الأولى يريد الاستفسار عن عنوان أو مكان فتفاجأ بما لا يخطر على بالك حين تكتشف ان هذا الانيق في ملبسه وهو في عز الشباب يستجديك لتمنحه بضعة دراهم، وعندها تنقلب الامور رأسا على عقب، وتجد نفسك في حيرة ـ أتعطي لشخص مظهره يوحي بعدم حاجته الى القليل الذي قد تدفعه له، وربما تكون انت نفسك في أمس الحاجة إليه، او تنهره وتلقنه درسا في الاعتماد على الذات وتحثه على العمل لكسب القوت بجهده وسعيه بدلا من استجداء الاخرين، وإن كان هذا لن يغير شيئا من ادمانه على التسول. وقد يطرق احدهم باب بيتك وهندامه بالطبع لا يحتاج لاي كلام غير مبال بالوقت ولا يعبأ بما يسببه لك من ازعاج كي يطلب احسانا، والطريف في الامر ان يشترط احدهم ان تقدم له النقود دون غيرها، وقد يشترط اخر كمية من الشاي والبن وسواء اعطيته ام صرفته بأدب إلا انك ستظل تتساءل عن دوافع طلب الشاي والبن تحديدا، وإن كنت استطيع ان اخمن بأن هذا المتسول قد يكون مقبلا على مشروع مقهى وعليه فهو يعمد إلى جمع الغلة من الشاي والبن بهذا الاسلوب ـ لزوم المشاريب للزبائن المحتملين. وقد تفاجأ بفتاة جميلة تأخذك على حين غرة في الطريق طالبة ما تجود به نفسك وهذه عادة لا تقترب من رجل إن كان برفقة زوجته، فالنساء ـ وليس هذا تعصبا يستحق البحث في مؤتمر «دوربان» بجنوب افريقيا ـ أعلم بهذه الحيل التي كثيرا ما تنطلي على الأزواج ويدفعون على استحياء لأن الطالب امرأة، وليس في هذا الكلام اي نوع من التحامل على الرجل فهذه هي الحقيقة التي تدركها المتسولات ويستثمرنها خير استثمار. ومثل هذه الفتاة هناك اخرى وإن اختلفت عنها قليلاً فهي تباغت الاسرة في اي وقت وتطلب رؤية سيدة البيت التي ما ان تدعوها الى غرفة المجلس حتى تبدأ الزائرة بسرد حوار لسيناريو متقن اعدته سلفاً تعرف منه صاحبة البيت ان الزائرة اخت لعدد من الشقيقات ترعاهن وتتولى إعالتهن وأن احداهن على وشك الزواج وتريد ان تفرح وتكشخ مثل غيرها من بنات الذوات ولكن لا فستان زفاف لديها ولا حذاء.. وتختتم الطرارة «المودرن» بسؤال مضيفتها: ما رأيك يا سيدتي لو قدمت طقم زفافك هدية لأختي؟! وقد علقت احدى الخبيثات على هذه الزائرة قائلة.. أظن تلك الفتاة مقبلة على افتتاح محل لتأجير فساتين الزفاف بعد ان اصبحت فكرة التأجير رائجة هذه الايام. وكثيرا ما تفاجأ بمن ينزل من سيارته ليستوقفك امام مركز تجاري او داخل الحي السكني ويبدأ بسرد الحكاية ذاتها التي سمعتها مرارا من آخرين يحضرون من دول مجاورة وهي حكايات لا تخرج في مجملها عن تعرض سيارته لعطب فاضطر لتصليحها في ورشة احتجزت جواز سفره لعدم تمكنه من سداد قيمة التصليح او لديه قريب في السجن دهس احد الاشخاص على ذمة القضية ريثما يتمكن من دفع قيمة الدية وما عليه من تعويضات، أو قد يخبرك انه تعرض لحادث سرقة من قبل الاشرار فأصبح بلا نقود ولا مأوى، ويطلب منك مبالغ خيالية ظنا منه ان الحيلة قد انطلت عليه ـ وإن رفضت دفع ما طلبه فإنه يتنازل ويكتفي بما تدفعه من اجل اطعام اسرته الموجودة معه في السيارة، وشراء حليب (...) يحدد نوعه وماركته وسعته من اجل اطعام طفله الرضيع!! وقد تدخل محلاً في مركز تجاري بعد الخلاص من ذلك الرجل، فتصادفك في الداخل سيدة تهمس طالبة احسانا، وبعد فترة من الزمن تراها خارجة من المركز التجاري تجر أمامها عربة محملة بالبضائع، بعد ان اشترتها ودفعت قيمتها من حصيلة التسول. ومن اطرف المواقف واكثرها اثارة منظر فتاة تقود سيارة فتلجأ الى ايقاف سيارة اخرى لتطلب من قائدها مبلغا حددته مسبقا بـ49.5 درهما وعندما يسألها الرجل في فضول، ولم هذا المبلغ تحديدا؟ تأتي اجابتها المثيرة.. فتخبره بشكل لا مبال بأنه قيمة الوقود الذي تحتاجه سيارتها!! وعند مطعم ما يفاجأ اصحاب السيارات بشاب تبدو عليه أمارات عدم الاتزان او ان به مسا من التخلف وهو يقوم بالطرق على نوافذ السيارات الواقفة بشدة طالبا درهما واحدا فقط ليشتري زجاجة بارد، وتكون النتيجة ان يحصل خلال خمس دقائق فقط على اكثر من 20 درهما يركض بعدها في اتجاه احد المحلات لشراء صناديق منه بعد ان تفي حصيلة ما جمعه لذلك. والحقيقة لا انكر ان هذا الشاب وان بدا غير سوي في تصرفاته إلا ان اسلوبه في التسول كان ناجحا اذ لاحظت ان احدا لم يرده على عكس اولئك الذين يتسولون بسرد قصص وحكايات مزيفة. ويبدو ان المتسولين درجات ومراتب وفي هذا تحضرني حكاية ذلك المتسول الذي لقيته في أحد شوارع دولة عربية فمددت له يدي بما يعادل درهمين فما كان منه إلا ان تفحصني بازدراء من قمة رأسي الى اخمص قدمي قبل ان يقول في استعلاء: هو ده اللي قدرك عليه ربنا.. وعندما قلت له ان لم يعجبك فرد إلي نقودي ـ قام بالفعل برد المبلغ وهو غير آسف عليه. ونأتي إلى اشكال اخرى من التصرفات التي لا تبعد كثيرا عن التسول لأنها تتم بصورة ضمنية اي بأساليب مبطنة تندرج في ظاهرها تحت ستار خدمات الترويج والتسويق حيث يستخدم مروجو هذه الاساليب فنونا واشكالا لصور من التسول تكون اشد من التسول نفسه. فالكثيرون من مروجي سلع غير ضرورية وليست ذات فائدة ولا تساوي في الحقيقة فلسا واحدا يعمدون الى هذا الاسلوب التسولي لتسويق هذه البضائع البائرة دون اهتمام بما يسببونه من ازعاج للناس في محاولاتهم المستميتة لحثهم بل ودفعهم للشراء الذي يقدم عليه البعض بداعي الخجل والخلاص من الالحاح الممجوج للمروجين والذي يخرج في معظم الاحيان عن اصول الذوق وربما يتجاوز الأدب في تسول صارخ حتى وإن اقنعوا انفسهم بأنه وسيلة عصرية تسمى الترويج التجاري لسلع ما أنزل الله بها من سلطان.