لفتني برنامج «الاتجاه المعاكس» الذي تبثه قناة «الجزيرة» في حلقته الأخيرة بخروجه من ميادين السياسة والصراعات المشحونة، ليتناول شئون اللغة وشجونها ومدى صمودها أمام «زحف» اللهجات المحكية. ومما زاد في حيوية الحلقة ابتعادها عن السياق الأكاديمي الجاف واعتمادها رحابة النقاش الساخن الذي ربما يكون عائداً للهوية التي يقوم عليها البرنامج أصلا، وأسلوب إعداده وتقديمه واختيار ضيوفه. ولست أدري ما السر وراء «الحرص» الذي يبديه مقدم البرنامج على ايجاد عدم توازن بين الضيوف لجهة المقدرة على التصدي للموضوع المطروح، الأمر الذي ينتج عنه حالات من الصراخ المتبادل والمداخلات التي تفتقد إلى المنطق والبراهين في اغلب الاحيان. وأتساءل ايضا، لماذا تم اختيار ضيفي الحلقة على هذه الشاكلة: باحث لغوي من سوريا وشاعر وكاتب بالعامية من بلدة عمشيت اللبنانية. الأول تعوزه القدرة على المحاورة والاقناع، والثاني اسم غير متداول في الساحة الأدبية اللبنانية على حد معلوماتي المتواضعة. فهل غابت الاسماء المبدعة في ميداني الكتابة بالفصحى والعامية أم أن الموضوع لا يحتاج كبير عناء؟! وبالنظر إلى الحساسية المفرطة بين دعاة المحافظة على اللغة العربية والمنادين بحلول اللهجات المحكية مكانها كونها المتداولة أكثر على كافة المستويات، فقد اشتعلت جبهة الاستوديو، فيما دخل على خط الاتصال الهاتفي اشخاص أدلوا بدلوهم لصالح هذا أو ذاك. فانبرت طروحات تلغي الفكرة المقابلة، ووصل الأمر الى حد مخاطبة استاذ جامعي «خصمه» بعبارة ساخرة: «هذا الرجل» نافيا عنه صفته الأكاديمية لكونه يدافع عن اللهجة المحكية. ثم يبادر الشاعر احمد فؤاد نجم (ولا أجزم اذا كان فريق البرنامج هو من اتصل به!) الى وصف مقطع غنائي للفنانة فيروز بأنه أعظم من كل ما كتبه ابوالطيب المتنبي. ليثني عليه نصير العامية اللبنانية مهللا ومرحبا بشهادة الشاعر الشقيق! العجب هنا ان هذا النمط من المخاطبة يدور بين نخبة من المثقفين فكيف لنا ان نعتب على فئات اجتماعية اخرى لو اندلعت بينها صراعات يمكن معالجتها بكل حكمة وروية. طبعا، ليس المقصود بالكلام بأن ليس هناك مشروعية للنقاش في الصراع بين اللغة الفصحى واللهجات المحكية، بل ان ثمة فسحة كبيرة يتمتع بها الكتاب في هذين المجالين ليمارسوا ابداعاتهم، وتالياً لا يمكن لأحدهما ان يلغي الآخر. ومثلما لدينا أعلام كبار في اللغة الفصحى شعراً ونثراً، فإن الساحة الابداعية العربية تزخر بكتّاب وشعراء مشهورين في اللهجة المحكية، وكل من هؤلاء له من يقرأه ويتابعه. إذن، الأمر لن ينتهي في حلقة تلفزيونية. فالحريص على اللغة العربية لم يتمكن من هزيمة النصير للهجة المحكية والعكس صحيح. أي ان كلا منهما ظل مصرّاً على المضي في مسيرته الإبداعية، ولو كره الكارهون! ولعل الكاسب في هذا الحوار المحتدم هو مقدم البرنامج الذي استطاع تحويل فكرة ليست جديدة الى حلقة تلفزيونية وإن شابها الكثير وجانبها الحظ في النجاح المنشود!