«أعطونا الإنجيل باليمين.. وأخذوا منا الأرض بالشمال» هكذا يلخص روائي أفريقي معاصر مرحلة التسابق الاستعماري للقوى الأوروبية تجاه القارة الافريقية حديثة الاكتشاف خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. والذين قدموا الانجيل إلى رجال القبائل الافريقية البدائية هم وفود الجمعيات الكنسية الأوروبية التي أرسلت كطلائع تبشيرية من أجل نشر المسيحية لتمهيد الأرض لوصول القوات العسكرية الاستعمارية. هذه الصورة التاريخية العتيقة لم تتغير كثيراً من حيث الجوهر في عالمنا المعاصر، رغم انها اتخذت شكلاً جديداً بغرض التمويه، فما يطلق عليه الآن «الجمعيات الانسانية الغربية» التي تمارس أنشطتها خارج الغرب مثل «كير» و «ويرلد فيجن» تنبثق من مؤسسات كنسية مسيحية، وهدفها الاستراتيجي الأساسي هو نشر الرسالة المسيحية بالمفهوم الغربي أو تثبيت وجودها في مجتمعات افريقية وآسيوية، مع السعي إلى «تنصير» من يمكن تنصيره بين من يعتنقون ديانات أخرى، خاصة إذا كانوا مسلمين، ولأغراض التمويه فإن هذه المنظمات تخفي (دون نجاح كبير) هدفها الحقيقي وراء شعار «الاغاثة الانسانية». هذا هو المنظور الذي من خلاله يجب ان نتابع تلك الضجة التي ظلت تثيرها الحكومات الغربية لمدى الاسابيع الأخيرة حول ثمانية أشخاص ينتمون إلى منظمة «انسانية» اعتقلتهم سلطات حكومة طالبان الافغانية بعد ان وجهت إليهم اتهاماً بالتبشير بالمسيحية بين الأفغان. هؤلاء الثمانية هم أمريكيان واستراليان وأربعة ألمان يعملون لحساب منظمة ألمانية باسم «شلتر ناو» وعلى خلفية تقارير اخبارية يومياً بمعدل عدة مرات في اليوم الواحد، تذيعها الفضائيات الغربية بشأن حادثة الاعتقال، يرتسم لديك انطباع بأن قنصليات الدول الثلاث المعنية في الجوار الباكستاني لم يعد لديها هاجس سوى العمل الدؤوب لفك سراح هؤلاء الاشخاص. وليس من الصعب فهم هذا الاهتمام والضجة المصاحبة له، فالمنظمات «الانسانية» الغربية تمارس أنشطتها الخارجية لا لحساب المؤسسات الكنسية فحسب، بل أيضاً لحساب الحكومات الغربية. ليس معنى هذا ان الرسالة التبشيرية لتلك المنظمات لا تهم صناع القرار الاستراتيجي في الاجهزة الحكومية الغربية المختصة بالشئون الخارجية فبالرغم من ان انظمة الحكم في الغرب ذات طابع علماني الا انها ترى ان ربط شعوب العالم الثالث بالكنيسة الغربية يجعلها اقرب سياسيا الى الغرب. لكن للمنظمات «الانسانية» مهام اخرى، فاذا اخذنا في الاعتبار مسلكها التمويهي كجمعيات تحصر رسالتها في اغاثة الملهوفين وانقاذهم من الجوع والفاقة والعوز، فانها بذلك تكون افضل ادوات للعمل التجسسي والاستخباراتي، وحتى عندما ترتاب حكومة ما من حكومات العالم الثالث في نشاط اعضاء منظمة ما، بل وتتوافر لديها ادلة قاطعة، فانها تتردد في اتخاذ ما يجب اتخاذه من اجراء في هذه الحالة (كطرد بعض العاملين في المنظمة)، خوفا من ان تتهم تلك الحكومة بأنها تعوق مسار العمل الانساني، وانها بالتالي تعمل ضد مصلحة مواطنيها في مناطق مجاعة. واذا اخذنا في الاعتبار ايضا ان البنية البشرية لمنظمات ووكالات هيئة الامم المتحدة مخترقة بشكل كامل بواسطة وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية وغيرها من اجهزة الاستخبارات الغربية، فانما نجد انفسنا بازاء مثلث استخباراتي عالمي تتكون اضلاعه من المنظمات «الانسانية» والاجهزة الخارجية للحكومات الغربية ووكالات الامم المتحدة. انه بايجاز احدث شكل من اشكال الاستعمار، ومن هنا نفهم ذلك التناغم المنظم بين «المنظمات غير الحكومية» الغربية ومنظمات الامم المتحدة في مناطق كأفغانستان وجنوب السودان فمن الحقائق التي وردت في سباق حادثة شلتر ناو» في افغانستان ان «برنامج الغذاء العالمي» وهي منظمة تابعة للامم المتحدة، تمارس توزيع الاغذية عن طريق هذه المنظمة الالمانية «الانسانية». احمد عمرابي