لم يكن مستغرباً أو مستهجناً لدى الكثير من الساسة والمراقبين فلسطينياً وعربياً، ما تمارسه المؤسسة العسكرية - الأمنية الإسرائيلية، في ظل حكومة شارون اليمينية المدعمة ببعض من شخصيات حزب العمل الإسرائيلي بذات الاتجاهين السياسية والعسكرية، خاصة بعد أن اشتدت نار الانتفاضة واستعر أوارها،لدرجة طالت في ألسنتها وحرارتها المتوهجة سواتر الصد الأمني الإسرائيلي الموصدة بكل أجهزة الرقابة والإنذار المبكر غير ذلك من أخر الإبداعات التكنو - أمنية،التي بقيت وعلى مدار أكثر من خمسين عاماً تعيش حالة من الأمن اللامتناهي،في ما يسميه البعض بالخط الأخضر،وأكثر من ثلاثين عاماً في ما يسمى بأراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. أي أن ما حصل من اختلال أمني على مدار أحد عشر شهراً، من اللحظة الأولى لاندلاع انتفاضة الأقصى الفلسطينية،وحتى هذه اللحظة التي نعيش،باتت تنذر بالكثير من المخاطر على المنظومة الأمنية - الدفاعية الإسرائيلية، أولاً وقبل كل شيء،بسبب حالة التداخل المعقدة على ساحة جغرافية واحدة بداية من التضاريس وانتهاء بالبشر. لكن وبعيداً عن المغالاة بالمعرفة والعلم بعالم الغيب،لم تكن التوقعات تستند إلى معرفة تفصيلية كما يحاول البعض إيهامنا بالمعرفة المسبقة لحدث مثل هذا الحدث المفصلي الكبير،الذي طال واحدا من ابرز قادة منظمة التحرير الفلسطينية وقائد ثاني أكبر فصيل فلسطيني منضو في إطار المنظمة. خاصة وأننا ندرك جيداً أن قيادات السلطة والفصائل،وبعض كوادرها البارزين بالإضافة إلى أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، يمتلكون تصاريح خاصة تسمح بالتنقل من الضفة الغربية إلى غزة وبالعكس، بالإضافة إلى أن هذه التصاريح تسمح لهم بالتنقل حتى خارج المنطقة «أ» في بعض الأحيان وحسب الظروف. ناهيك عن أن الكثير من الاتفاقيات والتطمينات وبعض المحرمات التي سميت بالخطوط الحمراء،حرمت النيل من هذه الشخصيات اعتقالاً وغيلة، ومنعت شارون وغيره من قادة المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية أكثر من مرة من اللعب بمثل هذه المحرمات كاغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين «أبو علي مصطفى» على سبيل المثال،بعد أن دخل إلى أراضي الضفة والقطاع من خلال اتفاقات فلسطينية - اسرائيلية في منتصف العام 1999.أي أن هذه الغيلة كانت من الممكن أن تحدث لو كان هذا القائد خارج الأراضي الفلسطينية،كما جرى مع الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، فتحي الشقاقي، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح خليل الوزير أبو جهاد وغيرهم من القادة الفلسطينيين بداية من بعض العواصم العربية وانتهاء بالعواصم الأوروبية الغربية. وبعيداً عن هول الفاجعة التي غيرت في الكثير من المفاهيم الصراعية،والخطط الأمنية على الأرض الفلسطينية،يجب الاعتراف أن ما يجري من تدمير لمؤسسات السلطة الفلسطينية واغتيالات لبعض كوادرها،ليست كما يقال أنه حباً لسفك الدم الفلسطيني، واعتبار أن الفلسطيني الطيب في نظر الإسرائيلي هو الفلسطيني الميت وحسب،إنما تندرج هذه الممارسات في إطار سياسة مرسومة ومحكمة تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الإسرائيلية المتفق عليها مسبقاً،وهي تتلخص بالتالي: أولا: بعد أن فشلت ست حكومات اسرائيلية متعاقبة،في تمرير سياساتها المتطابقة مضموناً والمختلفة شكلاً وجد صانعو القرار داخل اسرائيل ضالتهم في حكومة أمنية تسمى عادة «حكومة وحدة وطنية» تكون قادرة على تنفيذ كل الخطط التي تؤدي في نهاية الأمر إلى قطف ما يسمى بالإنجازات الأمنية،باعتبار أن القضية الأمنية هي العامل الموحد،بصرف النظر عن اليمين واليسار والوسط، وبمعزل عن الاختلاف في وجهات النظر حول شكل التسوية النهائية مع الفلسطينيين وشكل الحلول السياسية المطروحة طالما أن كل شيء خاضع للمفهوم والرؤية الأمنية أولاً وأخيراً ليبقى ما دون ذلك مجرد اجتهادات هدفها إنجاح تلك الخطط الأمنية المتفق عليها. ولعل حكومة شارون التي يراها البعض لقيطة،هي الحكومة الواقعية بنظر الإسرائيليين التي ستجلب الأمن لقطعان المستوطنين المتواجدين على الأراضي الفلسطينية، وهي الشكل الأمثل التي تقدم لهم الأمن والاستقرار حسب اعتقادهم، لذلك أعطيت كل الصلاحيات في ممارسة ما ترتئيه مناسباً من إجراءات ضد البشر والحجر والشجر الفلسطيني سواء كانت القرارات بالقتل والدمار من الحكومة المصغرة أو المكبرة وسواء عارض بيريز أو وافق وأن كل الانتقادات التي تصدر بين الفينة والأخرى من هذا المسئول الإسرائيلي أو ذاك، تندرج في عملية منظمة ومتفق عليها،لتجميل صورة القتل والتدمير التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي وابقاء الخطوط الدبلوماسية مفتوحة مع المحيط الجغرافي بخاصة والغرب الأوروبي المحرج بعض الشيء بعامة،ليس إلا. وبما يؤمن وعلى الدوام خط رجعة لما يسمى بحكومة الطوارئ أو حكومة مصغرة في حال استنفدت مثل هذه الحكومات دورها نجاحاً أو إخفاقاً كما حصل في عملية سلامة الجليل عام 1982، والتي يحاول البعض العربي تعظيم فشلها،بينما هي قضت على البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، باعتبار ذلك هو الهدف الأهم والأبرز، إذا لم نقل الوحيد لهذه العملية أو إذا شئت فقل الحرب الفاصلة. ثانياً: يجب الاعتراف بعيداً عن تجميل الصورة بهدف التلطي وراء الإصبع وبعيداً عن بعض المحاولات التي تسعى جاهدة لحجب أشعة الشمس بغربال أن غالبية المستوطنين الإسرائيليين وانطلاقاً من مفاهيم وقيم وقناعات عنصرية راسخة منذ النشأة وحتى لحظة اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية، وما تبع ذلك من اقتحامات وتدمير وقتل بداية من رفح في غزة وانتهاء ببيت جالا ومخيم عايدة في الضفة،هي ذاتها - المفاهيم - التي خلقت على الدوام مناخاً ملائماً لتلك النشاطات التي مارستها المنظمات الإرهابية سابقاً والموصومة، أو المسماة أحزاباً في هذه الأيام. أي أن هذه القيم والقناعات هي ذاتها التي حالت دون إمكانية حوار سياسي متوازن مع الفلسطينيين وليس شارون وحده، وأن شارون وبن اليعازر وموفاز وغيرهم، أدوات تنفيذية طيعة لرؤية أمنية موحدة لا أكثر ولا أقل. وهذه الرؤية متطابقة مع الرؤية الأمريكية بعيداً عن كل التهيؤات التي يحاول البعض إيهامنا بها أو تمريرها على العقل العربي، ولو كان غير ذلك مالذي كان يمنع شارون،من القيام بمثل هذه الأعمال الإجرامية، في فترة المئة يوم التي حددها لنفسه للقضاء على الانتفاضة،باعتبارها الأنسب لممارسة مثل هذه السياسة الجهنمية؟! لكن الأهم،وعلى ما يبدو أن ثمة قناعة تولدت عند الأمريكان والإسرائيليين قياساً بموازين القوى القائمة على الأرض تقضي بضرورة إنجاز اتفاق أمني «جنتلمان» مع الفلسطينيين لا يخرج عن المساحة المطروحة منذ اتفاقيات أوسلو بحدود 42% ، وأن لا يتجاوز مشروع الحكم الذاتي الإداري للفلسطينيين،أي عدم الاعتراف أو الموافقة على الكيانية الفلسطينية، ومنع قيام الدولة السيادية الفلسطينية،وهذا الأمر يتطابق مع ذات الرؤى وليس خارجها. وإذا كان الأمر غير ذلك ما هي الأسباب الأخرى التي دفعت إلى قتل رابين ؟، الذي كان يعتبر من أكبر القادة والرواد والبنائن لدولة اسرائيل بعد بن جوريون، دون أن يحدث أي انقسام داخل التجمع الاستيطاني الإسرائيلي بل على العكس من ذلك تماماً فقد كان قتله فاتحة لاستجلاب غلاة التطرف يميناً وشمالاً ووسطاً والأسماء قريبة من هذا التاريخ بداية بخلفه الذئب الوردي بيريز مروراً بالطالب النجيب لشارون نفسه بنيامين نتانياهو وجرو رابين باراك،لتعود الكرة للبلدوزر شارون. ناهيك عن أن العملية برمتها زادت من أسهم الأحزاب الدينية المتطرفة بين صفوف الناخبين والحبل ليس على الغارب بل على الجرار كما يقول المثل الشعبي باعتبار أن كل الممارسات التي نشهدها جزء من سياسة مرسومة ومبرمجة ومترابطة ما بين واشنطن وتل أبيب. ثالثا: لقد أدرك قادة تل أبيب حياداً عن مشاربهم وانتماءاتهم الحزبية، بعد كل هذه السنوات الصراعية الدامية مع الفلسطينيين بأنه لا يمكنهم تمرير مثل هذه المشاريع والخطط بالأمر السهل وأن تمريرها يحتاج منهم،بعد أن قدموا الجزرة للفلسطينيين في كامب ديفيد2 إلا باستخدام أعلى ما عندهم من وسائل القتل والتدمير،وتفريغ الشارع الفلسطيني من أقطاب الرفض والعناد،كمقدمة لتقويض الأهداف والأحلام الفلسطينية وهذا الأمر يتطلب منهم العودة إلى استخدام طريقة العصابات المارقة،التي تستند في تنفيذ سياساتها إلى قوائم الاعدامات والاغتيالات ظناً بأن هذه الطريقة ستفتح المجال لما يسمى بخط الاعتدال الفلسطيني ليأتي زحفاً على البطون بهدف توقيع ما تمليه عليهم اسرائيل بعد أن فقدوا كل أدوات قوتهم والحصون المنيعة التي كانوا يستقوون بها. بالمقابل يكونو بهذه الأعمال الإجرامية قد أعادوا الثقة إلى جموع المستوطنين الذين يتزاحمون على الموانئ والمطارات طلباً للعودة إلى بلادهم الأصلية التي جاءوا منها،بسبب العمليات الاستشهادية التي طالت الخط الأخضر والأحمر والأزرق وأماكن الأكل والمتعة والاستجمام، والتي بدورها خلقت حالة من عدم الثقة بينهم وبين مؤسساتهم الأمنية والعسكرية والسياسية أيضاً وزاد من فقدان الثقة بعد أن بدأ القتل يتسلل إلى المواقع العسكرية - الاستيطانية المحصنة. كل هذه القضايا - الهواجس مجتمعة دفعت بحكومة شارون - بيريز،إلى ممارسة مثل هذا الجنون،المرتكز في حقيقة الأمر إلى انهيار معنوي الفاقد بالأصل إلى انعدام الرؤى للمستقبل لتمارس غيلة استعراضية لن تجلب على اسرائيل إلا المزيد من الصمود الفلسطيني والمزيد من العمليات الاستشهادية لان العمل من خلال إسار اللحظة الراهنة إسرائيليا بات يدركه الفلسطينيون جيداً. وأن اللحظة الراهنة ستوقع الإسرائيليين بخطأ استراتيجي أشبه بالخطأ الذي وقعت به في جنوب لبنان وما زالت تعيش هواجسه حتى هذه اللحظة. بموازاة ذلك يجب على اسرائيل ومن أعطاها الضوء الأخضر،لقتل الكوادر والقيادات الفلسطينية وتقويض مؤسسات السلطة الفلسطينية أن تعي بأن ذلك سيكلفها الكثير من المعاناة وأن التكلفة ستكون بكل تأكيد أكثر بما لا يقاس من المردود فلسطينياً وعربياً. خاصة إذا ما علمنا أن الأمن لا يتحقق بالأمن كما تحاول اسرائيل ترسخ هذا المفهوم قسرياً بهدف فرضه على العرب والفلسطينيين بل إن الأمن يتحقق بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة والاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف والاعتراف بحق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم ودون ذلك لن تكون بمنأى عن ألسنة اللهب التي يزداد أوراها إن كان ذلك في ساحة الاشتباك المتداخلة، أو ما قد يفرزه المحيط الجغرافي آجلاً أم عاجلاً. ـ كاتب فلسطيني