عمليات الاستشهاد التي تجرى في فلسطين هي الشمس وما عداها عتمة.. هي الحقيقة وما عداها ثرثرة.. هي لغة التفاهم الوحيدة مع عدو لا يؤمن الا بلغة القوة، وما عداها معارك بسيوف خشبية مع طواحين هواء بعيدة المنال.. هي الفرح الحقيقي في تاريخ الصراع الصهيوني المدرج بالأحزان.. إن الموت بهذه الطريقة الأسطورية صار معادلا للحياة.. صار زواجا بحبيبة خالدة اسمها (وطنية). إن الخلود كلمة كبيرة على الكائن البشري الذي لا تزيد حياته عن فيلم سينمائي قصير.. لكن هذه الكلمة تنكمش وتتضاءل أمام شجاعة أولئك الصغار الذين أعادوا الحيوية والنضارة الى المقاومة الفلسطينية، بعد أن تحولت الى مؤسسات حكومية تشتغل بالمعاملات الورقية والشئون الادارية وصارت نصف عملياتها محفوظة في الملفات ولها في الأرشيف أرقام صادر ووارد. لقد أثبت هؤلاء الصغار بشجاعتهم غير البشرية أن اسرائيل جماعة عنصرية ضيقة الأفق لا تؤمن الا بالقوة وتفرق بين جنس وجنس.. وبين رب ورب.. إن النازية قامت على فكرة تميز العنصر الآري الألماني فكان أن فتحت أفران الغاز ومعسكرات الاعتقال وحصدت في جبهات القتال ملايين الأرواح بلا دمعة ندم.. أما الصهيونية فقامت على أن اليهود هم شعب الله المختار وما عداها حيوانات لا دية في قتلها ولا جريمة في اغتصابها ولا كارثة في حرقها.. ومن ثم فإن أفران الغاز الحديثة أصبحت اسرائيلية. إن هؤلاء الصغار ولدوا في رحم شحوب التفاوض الذي لم يكتمل والسلام الذي تحول الى استسلام والتعايش الذي كان يخفي تحت ردائه الفضفاض كل تشنجات العنصرية.. ولدوا على سياسة الأرض الاسرائيلية المحروقة.. وعلى أكياس الملح والخيبة العربية.. كان عليهم أن يعبروا عن أنفسهم على طريقة الحزام الناسف لا على طريقة قشرة الموز.. أن يقولوا لنا أن البطولة ليست أمام كاميرات الفضائيات العربية الصاخبة ولا في (مصاطب) الكلام الدولية وانما على ظهر حصان شرس يصعب ترويضه اسمه الموت. وربما لهذا السبب توقفت طويلا عند ما قاله بعض الفلسطينيين الشبان من ذوي الأحزمة الناسفة عن مؤتمر العنصرية المنعقد الآن في مدينة (دوربان) في (جنوب أفريقيا) الذي يسعى العرب فيه الى التوصل الى قرار يبدو صعبا باعتبار اسرائيل دولة عنصرية.. قال هؤلاء الشبان: ان (ملحمة هوميروس لا تصلح في اسرائيل.. ولا معلقات عنترة بن شداد.. ولا مطولات كل شعراء الجاهلية السياسية العربية القديمة والحديثة.. ان الفلسطينيين يحظون الآن بثلاثة أرباع تاريخ المسحوقين فكيف نعطيهم شعرا أو قرارا دوليا سيتعامل معه (أرييل شارون) كما يتعامل مع ورق التواليت أو مع المناديل الورقية؟). كان صعبا على الناس الذين يتابعون عمليات الاستشهاد الفلسطينية عبر شاشات التلفزيون ان يفهموا كيف تنبت للزهور البرية مخالب حديدية؟.. أو كيف تتحول بثور البشرة في وجوه المراهقين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة الى قنابل يدوية؟.. أو كيف تتحول تذكاراتهم العاطفية الى حراب يغزونها في صدر عدوهم الذي أذاقهم المر وأغرقهم في الذل وحولهم الى خلايا بشرية يائسة تبحث عن قصر في السماء بعد أن فشلت في الحصول على خيمة على الأرض؟ إن اسرائيل لا تفرق بين فلسطيني معتدل وفلسطيني متشدد.. بين فلسطيني يجلس الى مائدة المفاوضات وفلسطيني يحمل في وجهها السلاح.. بين فلسطيني يحمل جنسيتها وفلسطيني لاجئ في الشتات.. كل الفلسطينيين عند اسرائيل جنس قابل للانقراض.. أرضهم مباحة.. أعراضهم مباحة.. بيوتهم مباحة.. أرواحهم لا تساوى أكثر من ثمن رصاصة مطاطية.. وخلال نصف قرن من الزمان قتل نحو 5 آلاف فلسطيني ـ نصفهم قتلوا رميا برصاص ـ ممن تسميهم اسرائيل (عرب ـ 1948).. وهم العرب الذين بقوا في فلسطين يوم اعلان دولة اسرائيل في 15 مايو 1948 والذين منحوا جنسيتها وهويتها.. لكنهم لم يمنحوا الحقوق التي منحت لليهود.. بل كانوا مواطنين من الدرجة الرابعة في أشد مناطق الدنيا عنصرية. إن (عرب اسرائيل) أو الاقلية العربية في الدولة الصهيونية ـ حسب التقرير الذي أعده (السيد عوض عثمان) لمؤتمر جنوب أفريقيا باسم مركز (حقوق الإنسان لمساعدة السجناء) - هم تلك الشريحة الهامة من الشعب الفلسطيني الذين تشبثوا بأرضهم. قرابة 170 ألف نسمة بعد أن تمكنت اسرائيل من تهجير أكثر من 850 ألف فلسطيني من وطنهم كانوا يعيشون في 526 قرية ومدينة وشكلوا 20% من تعداد اسرائيل في حوزتهم 21% من الأرض، وبعد أكثر من 51 سنة تقلص ما بيدهم الى 4% بفعل المصادرة وهدم البيوت والقرى.. ولكنهم رغم ذلك تكاثروا خمس مرات تقريبا ووصل عددهم الى مليون وربع المليون تقريبا بنسبة 21% تقريبا مقابل نحو خمسة ملايين يهودي جاء أغلبهم من فتح باب الهجرة على مصراعيه من أثيوبيا والاتحاد السوفيتي. وفي مقابل كل يهودي في فلسطين يعيش فلسطيني لاجئا منفيا خارجها.. والفلسطينيون في الشتات موزعون على أكثر من 60 مخيما في أربع دول عربية وهم يوصفون بأنهم (غائبون ـ حاضرون) وهؤلاء لا يقدرون على العودة رغم القرار رقم (194) لسنة 1948 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي وافقت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا و32 دولة أخرى، وهو قرار يسمح لكل من ترك دياره بالعودة اليها ومن لا يختار العودة يحصل على تعويض عادل يرضيه على ممتلكاته المادية وأضراره النفسية.. لكن اسرائيل تعاملت مع القرار مثلما تتعامل مع كل قرارات المجتمع الدولي.. استخدامه وقودا للتدفئة.. أو لتجفيف عرق المجندات. وقد فرضت إسرائيل على عرب فلسطين طوال 18 سنة (1948 ـ 1966) قواعد الحكم العسكري الصارمة بموجب قانون الطوارئ أو قانون الدفاع كما يسمى هناك.. لكن عندما راحت الدعاية الصهيونية تصور إسرائيل على أنها (واحة الديمقراطية) في الشرق الأوسط فرضت عليهم خيارا من اثنين: الجنسية أو المغادرة.. وقد قبلوا أن يكونوا (مواطنين).. على أن إسرائيل لم تعاملهم معاملة المواطنين.. وحرمتهم من المساواة.. والحرمان من المساواة هو أقصر الطرق للعنصرية.. خاصة وأنهم السكان الأصليون للبلاد.. وقد صبغت اسرائيل عنصريتها بصبغة دينية وحصنتها بتراث الكتب اليهودية (المقدسة).. فالأرض هي (أرض الميعاد).. التي وعد بها (الرب) اليهود.. (شعبه المختار).. والرب اليهودي هو (الاله الأقوى) ـ في عقيدتهم ـ القادر على حمايتهم ومساندتهم.. والحرب بين العرب واسرائيل في عام 1948 هي حرب قامت على نفس القاعدة التي قامت عليها الحرب بين داود (الإسرائيلي الصغير) وجوليات (المارد العملاق).. فكأن العنصرية اليهودية هي عنصرية طبيعية وليست صناعة بشرية.. ومن هنا يصعب على اليهود التخلص منها والا غضب منهم الرب.. وحرمهم من نعيم جناته.. ومن سمك أنثى الحوت.. طعام المؤمنين اليهود في الجنة. وفي الوقت الذي تواصل فيه اسرائيل طرد السكان العرب من بلادهم وترفض عودتهم من جديد إليها نجد أن قانون (العودة) الاسرائيلي يسمح بلا قيد أو شرط لكل يهودي أن يصبح اسرائيليا فور هبوطه مطار (ديفيد بن جوريون) أو نزوله ميناء (حيفا).. وهو قانون لا نظير له في العالم.. فهو يقوم على أن الجنسية للديانة.. والديانة للأم.. فاليهودي هو من كانت أمه يهودية.. وحسب بعض الباحثين الاسرائيليين أنفسهم فإن هذا القانون (هو أشد قوانين اسرائيل صهيونية وعنصرية). وقد اعتبرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الصهيونية وجها من أوجه العنصرية.. وجاء قرارها رقم (3379) الصادر في 10 نوفمبر 1975 ليدين كافة الممارسات العنصرية التي يقوم بها الكيان الصهيوني في فلسطين.. بل أنه وصف (الصهيونية بأنها تشكل أسوأ أنواع العنصرية).. أبشع من عنصرية البيض في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة.. وأبشع من عنصرية الفرنسيين في الجزائر.. وأبشع من عنصرية البريطانيين في روديسيا.. ولكن المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة (دانييل مونيهان) عبر عن سخط بلاده من صدور هذا القرار قائلا: (إننا لا نعترف بهذا القرار المشين ولن نرضخ له.. إن شرا عظيما قد أطلق على العالم باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية.. إنها أكذوبة.. أكذوبة أعلنتها الأمم المتحدة على أنها حقيقة).. ولم يتردد المندوب الأمريكي في أن يقول: (إن الله يبارك الولايات المتحدة لأنها تحب اليهود).. (إنهم مصدر البركة لبلادنا). وقد ظلت الولايات المتحدة تبذل قصارى جهودها الدبلوماسية والسياسية لالغاء هذا القرار.. ووجدت في حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد فرصتها لالغائه في ديسمبر 1991 بتأييد من 11 دولة ومعارضة وامتناع 41 دولة أخرى.. وبعد 10 سنوات على الغاء القرار يأتي مؤتمر جنوب أفريقيا ليشهد جولة جديدة من الصراع على كافة المستويات الرسمية والشعبية ولمدة 10 أيام بين أنصار الحرية من ناحية، والقوى الصهيونية حول العنصرية الاسرائيلية.. صحيح أن هذا الموضوع لا يشكل كل جدول أعمال المؤتمر ـ فهناك موضوعات أخرى على رأسها عودة تجارة الرق في جنوب السودان بخلاف التمييز الديني والعرقي في اندونيسيا وأفغانستان والهند وباكستان ـ لكنه هو أشد موضوعات المؤتمر سخونة.. على الأقل بالنسبة لنا.. في وقت تلتهب فيه الأراضي الفلسطينية بالمقاومة وتفضح فيه اسرائيل ـ بممارسات تجاوزت حدود العصور الوسطى ـ على شاشات تلفزيونات العالم كله. إن الصهيونية ارتكبت على مدى تاريخها القريب في فلسطين نحو 30 مذبحة.. ولا يوجد رئيس وزراء اختاره الاسرائيليون بالانتخاب لم يرتكب بيديه احدى هذه المذابح.. وسويت 433 قرية فلسطينية بالأرض التي كانت عليها.. ووفقا لمؤتمر القانون الدولي لتعويض اللاجئين المنعقد في القاهرة في 1992 فإن من حق اللاجئين الفلسطينيين العودة الى بلادهم والتعويض عما اصابهم من أضرار مادية ومعنوية.. وتشمل هذه الاضرار النهب والسلب واستغلال العقارات لمدة نصف قرن والتعذيب والشتات وتفريق الأسر والسجن وسوء المعاملة والطرد والذبح.. بخلاف الخسائر العامة بسبب ما أقامه الاسرائيليون من طرق ومطارات وما استغلوه من مياه وشواطئ ومحاجر وغيرها. ويقدر الخبراء قيمة الخسائر والاضرار التي لحقت بالفلسطينيين وممتلكاتهم بنحو 562 مليار دولار حسبما نشرته دراسة السيد عوض عثمان.. وفي حين يقدر خبراء في اسرائيل هذه التعويضات بما لا يزيد عن 3 ـ 6 مليارات دولار فإن الحكومة هناك قررت أنها لن تدفع ـ في أفضل الأحوال ـ أكثر من واحد في الألف من الناتج القومي موزعا على عشر سنوات.. وهو مالا يزيد عن مليار دولا تعويضات نهائية.. مليار دولار فقط مقابل اقتلاع شعب من أرضه وتشريده والاستيلاء على ممتلكاته وتعذيبه وذبحه.. وهذا هو التعويض المادي أما التعويض البشري والإنساني فلا يزيد عن ابتداع صيغة شبه إنسانية هي صيغة (لم الشمل) التي لن تشمل أكثر من 50 ألف عائلة فلسطينية بما لا يزيد عن 200 ألف لاجئ من بين أكثر من خمسة ملايين يعيشون في المنفى. ولا تتوقف اسرائيل عن مزيد من التصرفات والقرارات المتعسفة التي تؤكد عنصريتها وفاشيتها.. فهناك قرار اعتبار اليهود ساميين وغيرهم ليسوا كذلك.. وهناك قرار قانون زراعة الأرض المهجورة والاستيلاء على الاراضي العربية التي أجبر سكانها على تركها.. وهناك قانون نقل الأموال والممتلكات التي حجز عليها أو التي زرعت أو استعملت الى الحكومة الاسرائيلية.. وهناك قانون الاستيلاء على أملاك الغائبين.. وكلها قوانين متلاحقة ليس من الصعب من عناوينها معرفة الهدف منها. على أن أكبر انتهاك للحقوق الدينية والمقدسات الاسلامية هو مافعله (أرييل شارون) منذ نحو العام عندما انتهك حرمة المسجد الأقصى.. وهو ما أشعل نيران الانتفاضة التي نحمد الله أنها لم تخمد حتى الآن.. وهو أيضا ماشجع الجماعات اليهودية المتطرفة على أن تسعى الى هدم المسجد الأقصى بدعوى بناء هيكل سليمان مكانه.. وقد وضعت بالفعل حجر أساسه.. وهو كذلك ما مد جسور التحالف اليميني بين الجنرالات والحاخامات وأخرج العلمانيين والمثقفين اليهود من السلطة ربما الى وقت طويل وجعل اعدادا متزايدة منهم تهاجر من اسرائيل.. فلم يعد للعقل والتفاهم مكانا في هذه الدولة التي امتدت عنصريتها الى بعض مواطنيها اليهود.. ويقدر عدد اليهود الفارين من نيران التطرف والتعصب والتربص بنحو 10 آلاف يهودي سنويا وهم يمثلون أفضل المبدعين والفنانين والكتاب والمؤرخين اليهود.. إن التشدد عندما يسود دولة أو مجتمعا فإن الذي يكسب هو الأكثر تشددا. وأغلب الظن أن القوى الصهيونية ستفلت من قرار يصدر عن مؤتمر جنوب أفريقيا باعتبار الصهيونية حركة عنصرية.. ولكن.. مجرد طرح الموضوع ومناقشته في هذه الظروف يكفي ثم أن مايهمنا في الحقيقة هو مساندة الفلسطينيين ماديا وماليا.. مساندة تلك الزهور البرية النضرة التي نبتت لها مخالب حديدية توجع اسرائيل وتجعلها ترفع يدها عجزا واستسلاما لتطالب حلف (الناتو) بالتدخل. ـ كاتب مصري